4 minutes
Panamint Capital broke ground on a $1.7 billion solar and storage project at the Calvert coal mine. The mine and an adjacent coal plant will stay online.
Panamint Capital broke ground on a $1.7 billion solar and storage project at the Calvert coal mine. The mine and an adjacent coal plant will stay online.
4 minutes
School district officials in El Paso say there will likely be fewer teachers over the years as student enrollment declines The post Hundreds of El Paso teachers leave classrooms as enrollment decline reshapes area schools, workforce appeared first on El Paso Matters.
4 minutes
School district officials in El Paso say there will likely be fewer teachers over the years as student enrollment declines The post Hundreds of El Paso teachers leave classrooms as enrollment decline reshapes area schools, workforce appeared first on El Paso Matters.
4 minutes
في عالم زياد الرحباني المسرحي والغنائي، لا أحد يقول تمامًا ما يعنيه. الكلمات لا تعني الكثير، والنوايا أكثر غموضًا من الوقائع، والسلطة تتخفّى وراء خطابات خاوية تدفع الفرد إلى حالة من التشكيك الدائم بنفسه وبالآخر. تتحرّك شخصيات زياد بين الشائعات، والمؤامرات، والمصالح الخفية، والخطابات التي لم تعُد قادرة على تفسير العالم، حتى باتت البارانويا ملجأً لتلك الشخصيات في محاولتها إدراك ذاك العالم نفسه. فالبارانويا لا تنبع من مخيّلة زياد الأدبية، بقدر ما تنتمي إلى لحظة الحرب الأهلية، تلك اللحظة التي تشظّت فيها مراكز القرار، وتقاطعت فيها سلطات الميليشيات، وكثُرت التدخّلات الخارجية وشبكات الزبائنية الطائفية، حتى تحوّلت البارانويا من حالة عياديّة فردية إلى ممارسة في الواقعية السياسية. غالبًا ما قُرئت أعمال زياد بوصفها نقدًا للطائفية، أو للبرجوازية، أو للهزيمة، أو للحرب الأهلية. إلا أنّ مجموع أعماله يقدّم رؤيةً إضافيّة وبنيةً معرفيةً كاملة تحتلّ فيها البارانويا موقعًا مركزيًّا. فما الذي سيتكشّف أمامنا، إذن، حين نقرأ مشروع زياد الرحباني الموسيقي والغنائي والمسرحي من خلال النظر إلى ما تُتيحه رؤيتُه المرتابة للعالم؟ لا يلبث هذا السؤال أن يُفضي إلى سؤال آخر: هل تكتفي أعمال زياد الرحباني بإعادة إنتاج أنماط معرفية قائمة على الشكّ والفضح، أم أنّها تبتكر، من زوايا العالم المأزوم نفسه، إمكاناتٍ لبناء عالمٍ موازٍ، يرمّم فيه زياد ما هدمتْه منظومة الحرب الأهلية وما فكّكه هو بفعل قراءته المرتابة لها؟«في شي بدّه يصير، في شي عم بيصير»، أو كيف نرى العالميجتاح القلق وانعدام اليقين العلاقات الثنائية التي يُمسرِحها زياد، حيث يرتاب العاشقُ من الآخر الذي يهوى، فيبقى عالقًا في سؤال البدايات: هل تشعر بشيء تجاهي؟ هل تحبّني؟ لتصل البارانويا إلى أقصاها عندما تتخطّى العاشقة التساؤل عن الحب، فتطرح سؤالاً أكثر التباسًا، حول ما إذا كانت نوايا الآخر تجاهها صافية: «ويمكن حُبَّك جدّ/ بس أنا تعبانة». ما من سبيل للتحقّق من نوايا الآخر سوى الغوص في الاستجواب والتحقيق. تبدو شخصيات زياد على هذا القدر من الارتياب، فتبدأ بمحاكاة الأذى نفسه الذي تظنّ أنّ الآخر يسبّبه: «مبارح عالوصلة مفتّشلي غراضي/ ومفتّحلي علبي». ومع غياب الإجابات، تدخل الشخصيات في حالة مكثّفة من الارتياب، مُستبقةً أذىً لا بدّ أن يقع، «في شي بدّو يصير/ في شي عم بيصير» تقول العاشقة، قبل أن يتملّكها الوسواس القهري الذي تزداد معه وتيرة التساؤل على لسان كورس يكرّر «ليلية بسألك/ شو معقول/ بعنيلك لإلك/ ما بتقول/ بعنيلك/ قلي/ أو ما بعني شي». بالنهاية، ورغم التطمينات التي يسمعها العاشق، يبقى الارتياب هو الأصدق: «ما عدت أعنيلك شي/ أنا حاسس بصراحة/ ما عدت إنفع لشي/ ما شي واضح بصراحة». يتجاوز القلق العلاقة الثنائية فيُستدعى إليها طرف ثالث، هو ذلك الكائن الهلامي المسمى الآخرون. يتكرّر في أغاني زياد شعور الارتياب من الشريك الذي يغذّي الثرثرة والشائعات، أو كما يقول زياد بمرارة، «كل اللي قايلهن عنّي وصلوا لي». وبالمرارة ذاتها، ترتاب العاشقة من كذب حبيبها الذي يشوّه صورتها أمام الآخرين، «شو بتخبّر أصحاب وزوّار/ عنّي إنّي محدودة وبغارْ»، مُفشيًا أسرارًا حميمية، ومعرِّضًا الذات للانكشاف أمام أعين غريبة، مترصّدة.تحاكي البارانويا العاطفية العالم السياسي الذي تتحرّك فيه شخصيات زياد. فتساؤلات العاشق عن حبيبته- هل تكذب؟ ماذا تخفي؟ هل ستخون؟- هي نفسها تساؤلات شخصيات زياد عن الخطاب السياسي الذي يتردّد أمامها. هكذا تصبح العلاقة الحميمية مختبرًا مصغَّرًا لمنطق الارتياب الذي يحكم المجتمع بأسره، كما يصوّره زياد، مثلاً، في «بالنسبة لبكرا شو» (1978)، المسرحية التي يتناول فيها تشكُّل الوعي السياسي لدى زكريا الذي يؤدّي دورَه زياد نفسه.ماذا يحمل الغد لثريا وزكريا، الثنائي الذي هجر الريف بحثًا عن حياة أفضل في المدينة؟ زكريا الذي يبدو فاقدًا وعيَه، بالمعنيَيْن الحرفي والسياسي، يعمل في بار، بينما تعمل ثريا، زوجته الواعية لمتطلبات حياتهما الجديدة، في مطبخ البار. يتعرّض الثنائي للاستغلال على يد ربّ العمل الذي يمتنع عن دفع مرتّبات كافية لهما كي يعيشا حياةً كريمة. ومع الوقت، يدرك زكريا أنّ أمامه خيارَيْن لا ثالث لهما: إمّا أن يهاجر إلى الخليج بمفرده كي يعيل أسرته، وإمّا أن يتقبّل أن تعمل زوجته جليسةً لزبائن البار السكارى، أي أن يختار أن يُستغلّ هو في الخليج أو أن تُستغلّ زوجته جنسيًّا.ومع تكثّف الاستغلال الحالي وسوداوية الاستغلال المقبل، يعلّق زياد الفكاهة. يبدأ زكريا بالتساؤل عن موقعه الطبقي، عن مصالح صاحب العمل، فنستشفّ في تعابيره وعيًا سياسيًّا قيد التشكّل. يصف زكريا المنظومة الاجتماعية والاقتصادية بوصفها بنية، ولو أنها غير مرئية، إلا أنها مشروطة بالاستغلال. ومن موقعه كعامل مستغَلّ وكزوج مُهان، تبدأ غيرة زكريا على ثريا، غيرة لا تلبث أن تتحوّل ارتيابًا: من هذا الذي يكلّمك؟ لماذا تضحكين مع ذاك؟ لماذا تقفين مع هؤلاء؟ عندها، يدخل زكريا في دوامة من البارانويا ستنتهي إلى عنف لن يطيح بربّ العمل، أو بالمنظومة، بل يطيح بزكريا وحده. هكذا ينسلّ العنف البنيوي لدى زياد إلى البنية الحميمية، وهكذا يحاكي العنف الحميمي العنف البنيوي. رسم: حاتم الإمام.ترتاب شخصيات زياد من كلّ ما تراه أمامها. فهي لا تتساءل ما إذا كان القول السياسيّ صائباً أم لا، بقدر ما تتساءل إن كان أولئك الذين تثق بهم يتكلّمون بصدق، إن كانت نواياهم سليمةً أصلاً. يطرح زياد إشكالية الكلام الزائف في «فيلم أميركي طويل» (1980). في مصحّ عقليّ، تلتقي الشخصيات التي جعلها زياد ممثِّلةً للأطياف اللبنانية المختلفة: إدوار المسيحي المرتاب من المسلمين، نزار اليساري المرتاب من البرجوازية والمؤامرات الإمبريالية، وقاسم المرتاب من المتفجرات، وعبد الأمير الأكاديمي المهجوس بمؤامرة كونيّة، وهاني المرتاب من الحواجز والخطف على الهوية، وأخيراً رشيد (زياد نفسه) الذي وصلت به البارانويا إلى ضرب مواطن في الشارع لا لشيء، سوى أنّ الرجل بدا وكأنه يدّعي البراءة. يحاول الطاقم الطبّي تهدئة المرتابين، تارةً بالعقاقير وتارةً أخرى بالمشاوير، وصولاً إلى استخدام الكرسي الكهربائي في الوقت الذي تحلّق فيه الطائرات الحربية فوق رؤوس الجميع، وتدوّي الانفجارات في الخلفية. في مقابلة حول المسرحية، يتحدّث زياد كيف أنّ الخطاب السياسي (الوطني، العلماني، العروبي، اليساري…) المناهض تاريخياً للنظام اللبناني المهيمِن (اليميني، المسيحي، الانعزالي، الرأسمالي…) صار مع بداية الحرب هو نفسه معرض الشكّ، وذلك لأنه لم يعِر أهمية لحالة الانسلاخ التي كان قد بدأ يعيشها الفرد. ففي الحرب، كثر إذلال الأفراد على يد الجماعات نفسها التي تدّعي تحريرهم. يصف زياد شخصية نزار المنتمي إلى الحركة الوطنية بأنه «منفصم»، يحاول أن يوفّق بين ما يسمعه عن إنجازات الحركة الوطنية وما يراه من إخفاقات لها. «بين الفم والأذن تضيق رقعة الحقيقة وتتوه العبارات في دهاليز الألفاظ الرنانة»، يقول زياد مضيفاً أنّ نزار «يسمع ما يقول [السياسي] لكنه لا يستطيع تصديق كلامه: كل كلمة لوحدها مظبوطة، لكن بس يجمعها مش عم تزبط.» (السفير، 1980/10/05). كيف تنجو الذات، إذن، بعد أن تعي أنّ المنظومة الإيديولوجية التي وعدتْها يوماً بالتحرّر قد تداعت؟ أولى ضحايا هذا الإدراك هي البراءة. فالآخر، إن كان مقاتلاً أو مثقفًا أو فنانًا أو مواطنًا عاديًّا، لا بدّ أن يكون قد فقدَ براءته، أو أن يكون مساهمًا في تناقضات المنظومة السياسية وعنفها. فرشيد ينتهي في المصحّ لأنه ضرب رجلاً، ظنًّا منه أنّ ذاك الرجل متورِّط حتمًا بشيء ما- بجريمة، بكذبة، بمؤامرة- حاله كحال أيّ مواطن آخر من ضحايا المنظومة والمساهمين في إعادة إنتاجها في الآن نفسه. في أغاني زياد، يبدو الآخر أيضًا وكأنّه تجسيد للنظام الخارجي بمكوّناته الأمنية والسلطوية، وهو، كما المنظومة نفسها، يتأبّط شرًّا. «بس شكله مش مريح»، هكذا يعبّر زياد عن قلقه من رجل غريب في «أن فير شي نو»، وفي «٠٠٧» يدعو جليسته إلى الاحتشام خوفًا من رجل واحد «فيه ضابط مدري بكم نجمة/ قاعد عالطاولة هونيك»، لكنّ هذا الرجل الواحد يتحوّل تحت وقع الارتياب إلى مجموعة من الرجال الذين «أخذوا اسمك/ أخذوا اسمي»، قبل أن ينتهي المشهد على اعتقال مَن رأى الأذى محدِّقًا، ولم يصدّقه أحد. اللازمة الأولى: أن تكون مرتاباً لا يعني أنّ أحداً لا يتربّص بك.تتخطّى البارانويا شخصيات زياد، لتتسلّل إلى شكل العمل الفني نفسه. فالتكرار، والاستفهام المهجوس، والحوارات الدائرية، والانقطاع المستمر في التواصل، جميعها تدلّ إلى الارتياب، وكذلك الكورس الذي يبدو وكأنه يدور في حلقة من الوَساوِس وهو يرددّ كلمات معدودة: «ليلية بسألك/ شو معقول/ أعني لك لإلك/ ما بتقول/ بعني لك/ قل لي/ أو ما بعني شي؟»، قبل أن ينتقل الهوس إلى لسان سامي حواط الذي يستجدي الآخر من خلال تكرار «ما تفلّ» إلى ما لا نهاية. في عالم الحرب الأهلية الذي تتشظّى فيه مراكز السلطة كما الخطابات الإيديولوجية التي تطبّعها، لا تبدو البارانويا لدى شخصيات زياد مجرّد خلل إدراكي. ذلك أنّ أعماله تصوّر شخصيات مرتابة وشكاكة، وتحرّض المتلقّي في الوقت عينه على تبنّي موقع تأويليّ مشكِّك، لا يثق بالمعنى الظاهر، ويبحث دوماً عن الدوافع والمصالح الكامنة خلف الخطابات السياسية. هكذا تنتقل البارانويا من كونها سمةً من سمات شخصيات أعمال زياد المسرحية والموسيقية إلى منهجية معرفية متكاملة تعتمد القراءة المرتابة وسيلةً لاستكشاف تجذّر عنف الإيديولوجيا. «والفيلم مكفّى وفاهمينه وشايفينه من دون شاشة»، أو كيف نقرأ العالمتتناول أعمال زياد شخصيات مرتابة أوّلاً، وتجعل الارتياب شرطاً لفهمها ثانياً. فمن يتلقَّ مسرحه وأغانيه يتعلّم سريعاً ألا يأخذ الخطاب السياسي على ظاهره، وألا يقرأ الكلمات بوصفها تعبيراً أميناً عن المواقف، بقدر ما هي آثار للمصالح والمواقع وعلاقات القوة التي تتحرّك خلفها. فأعمال زياد تطالب المتلقّي بألّا يكتفي بالمعنى الظاهريّ، وأن يبحث عن المعاني التي يحجبها، والتي تكمن في طيّاته.وقد سمّى بول ريكور المقاربة التأويلية هذه «هيرمينوطيقا الارتياب»، أي الممارسة النقدية التي تفترض أنّ الوعي ليس ظاهراً بنفسه، بمعنى أنّ في الخطاب مستويات من المعاني الظاهرة والمتخفية التي على القارئ إدراكها، وأن الخطاب لا يكشف الحقيقة بقدر ما يعيد تنظيمها أو يحجبها. هي قراءة تفترض أنّ المعنى الحقيقي موجود دائماً حيث لا ننظر: خلف الخطاب، أو تحته، أو خارجه- في زواياه القاتمة حتماً. فالظاهر في ما يُقال هنا ليس نقيض الخفيّ، بل طريقته في الظهور متلاعباً، مموَّهاً. ومن هنا يصبح التأويل المرتاب ممارسةً في الكشف والفضح والتعرية وإعادة تركيب العلاقة بين المُعلَن والمُضمَر.غير أنّ ما يفعله زياد يتجاوز مجرّد توظيف «هيرمينوطيقا الارتياب» كأداة نقدية. فهو يحوّلها من وسيلة لقراءة الواقع إلى تجربة جمالية يعيشها المتلقّي نفسه. وهنا تلتقي أعمال زياد مع ما سمّته إيف سيدجويك «القراءة البارانوية»، أو كما أحبّ أن أسمّيها «القراءة المِبَرْوِنة» (تُلفظ باللهجة المصرية)، أي نمط القراءة الذي يفترض أنّ المعنى الحقيقي موجود دائماً في مكان آخر، وأنّ مهمة الناقد هي النظر إلى ما استتر بين السطور، أي تعقّب ما يخفيه الخطاب من مصالح وأيديولوجيات وآليات هيمنة، حتى لو اضطرّ، كما تكتب سيدجويك، إلى «توظيف المكر لإسكات الارتياب، والارتياب في مواجهة المكر». لا مرتابَ ولا مكّارَ مثل زياد. فأعماله تتعامل مع الشعارات على أنها أقنعة أكثر منها تعبيرات عن قناعات، كما تتعامل مع مكوّنات الثقافة، من اللغة إلى الفولكلور الغنائي، على أنّها وعاءٌ للأيديولوجيا. هنا تأتي «شي فاشل» (1983) التي تجعل من الارتياب نفسه منهجيّةً فكريّةً. يتناول زياد في المسرحية موضوع التراث (اللبناني) بوصفه مشروعًا فاشلاً. وكان زياد قد تعرّض في مسرحيّتيه السابقتين «نزل السرور» و«بالنسبة لبكرا شو» للتراث كإشكالية ثانوية ضمن مجموع التناقضات الأساسية التي تحرك شخصياته الضائعة بين موقعها الطبقي ووعيها السياسي. إلا أنّ التراث في «شي فاشل» يأخذ حيّزًا أساسيًّا في النقد الساخر على شكل مسرحية داخل مسرحية، أو بالأحرى مسرحية خيالية قيد التحضير داخل مسرحية أخرجها زياد فعلاً عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. يؤدّي زياد دور نور الذي يحاول أن يخرج مسرحية قصتها مألوفة، عن قرية جبلية هانئة يسرق الغريب جرّةً من ساحتها. إلا أنّ المسرحية (داخل المسرحية) لن ترى الضوء بسبب العوائق التي فرضتها الحرب: لا كهرباء، لا ماء، ولا تواصل مع الصحافة والمثقفين، ولا تفاهم مع منتج المسرحية، ولا حتى بين الممثلين والدبيكة الذين أتوا من جزأَيّ المدينة المنقسمة على ذاتها. وفيما تنهار المسرحية (داخل المسرحية) بسبب كل تلك الأسباب الظاهرية، ينكشف المبنى الباطني للتراث وينهار أمام مشاهدين يسمعون نقداً عن علاقة التراث بالبنى الأيديولوجية، ربّما للمرة الأولى. وفي الدلالة إلى الإنهيار الرمزي، تكمن مساهمة زياد في تأليب المشاهدين، وآلاف المستمعين على الكاسيت لاحقاً، على الأسطورة المسمّاة «التراث» والأساطير الصغرى المحيطة بها. بهذا المعنى، يتجاوز زياد تفكيك إيديولوجيا النظام السياسي اللبناني كما كان قد فعل في «بالنسبة لبكرا شو»، ليصل إلى مكوّناته الرمزية والجمالية، وفي مقدّمتها مسرح الرحابنة الذي كان لا يزال يقدّم التراث كمرادف لوحدة اللغة والثقافة والوطن. كان يمكن لزياد أن يتجاهل مشروع والديه الفني، إلا أنه في «شي فاشل» احتلّ وضعيةً تأويلية مرتابة تجاهه، بكل تلك الراديكالية، بكل تلك السخرية.اللازمة الثانية: لا تصدّق الأسطورة، بل سائل الأيديولوجيا التي تطبّعها.هكذا تنتج أعمال زياد ذاتًا قارئة تتعامل مع السياسة بوصفها لغزاً تأويليًّا دائمًا، وتتعامل مع المعنى باعتباره أثرًا لبنية غائبة أكثر منه حضورًا مكتفيًا بذاته. من هنا يحتلّ مصطلح «الفيلم» مكانًا مركزيًّا في عالمه. فـ«الفيلم» ليس مجرّد مرادف للمؤامرة، ولا اسمًا شعبيًّا للخداع السياسي، بل استعارة عن عالم يبدو وكأنّه منجزٌ، تتحرّك شخصيّاته وفق سيناريو كُتب سلفًا من دون أن تتمكّن من السيطرة عليه. ويستمرّ «الفيلم»، بمعنى أنّ مكر الإيديولوجيا لا يتوقّف، إلا أن زياد سيجعلك قادرًا على التعرّف إليها رغم استتارها، أو كما يقول سامي حواط «والفيلم مكّفى/ وفاهمينه/ وشايفينه من دون شاشة». فلو كانت شخصيات زياد لا تزال بعيدةً عن الحقيقة النهائية، إلا أنها باتت قادرة على رؤية العالم بوصفه عرضًا مكتملاً، تُدار أحداثه وراء الكواليس. هكذا تصبح البارانويا منهجية ثابتة لإدراك الواقع في كل أطيافه.غير أن لهذه الوضعية التأويلية كلفتها أيضاً. فإذا كانت القراءة المِبَرْوِنة تكشف باستمرار ما تخفيه الأيديولوجيا، فإنها قد تجد نفسها، كما تشير إيف سيدجويك، حبيسة المنطق نفسه الذي تسعى إلى فضحه. فبينما تقرّ سيدجويك بأهمية هذا النمط من القراءة وقدرته على تعرية الأيديولوجيا وكشف علاقات القوة، فإنّها ترى أن هيمنته على الممارسة النقدية الحديثة- من نيتشه إلى ماركس وفرويد وتراثهم النقدي- جعلت من الارتياب أفقاً وحيداً للمعرفة، وهمّشت أنماطاً أخرى من القراءة لا تقلّ نقدية. فعندما يصبح العالم كلّه «فيلماً»، يغدو كلّ حدث دليلاً إضافياً على صحة السيناريو نفسه، وتتحوّل المعرفة إلى إعادة متواصلة لكشف ما نعرفه مسبقاً. ومن هنا تطرح سيدجويك سؤالها المفصلي: متى يتحوّل الارتياب من أداة للتحرّر إلى أفق مغلق يعجز عن تخيّل أشكال أخرى من المعرفة والحياة؟ وهل هذا يعني أن مشروع زياد النقدي والفني ينتهي عند القراءة المِبَرْوِنة هذه؟ الإجابة المقتضبة: لا. «منعرج بس منمشي»، أو كيف نعيش في العالم بعد أن عرفنا حقيقته؟هل تكفي القدرة على كشف الأوهام من أجل فهم العالم والعيش فيه؟ أم أنّ أعمال زياد تتيح أيضاً إمكانات أخرى للعلاقة بالنص وبالآخر، لا تقوم على الشك والفضح وحدهما؟ من هذه الأسئلة نعود إلى ما تقترحه سيدجويك وتسمّيه «القراءة الترميمية»، وهي ممارسة تأويلية لا تجعل من كشف الأيديولوجيا أو فضح السلطة غايتها الوحيدة، بل تنظر إلى النص بوصفه فضاءً يمكنه أيضاً أن ينتج المعرفة، والمتعة، والتماسك، وإمكانات جديدة للعيش. بقدر ما تقرّ بأهمية القراءة المرتابة، تقترح سيدجويك نمطاً موازياً لها، يكمّل إمكاناتها التقويضية، وينشغل بما يبنيه النصّ لا بما يفكّكه فحسب. فإذا كانت القراءة البارانوية تسأل عمّا يخفيه النص أو ما يسعى إلى فضحه، فإنّ ما تسمّيه سدجويك «القراءة الترميمية» ينطلق من سؤال مختلف، عن أشكال الحياة التي تستمرّ داخل العوالم البارانوية، وعن كيف يمكن للنص أن يتيح إمكانات للاستمرار، وإعادة بناء المعنى، حتى في ظلّ عالم مُشبَع بالعنف والخسارة. في عالم زياد، تكثر الأساليب الترميمية، منها اجتراح لغة جديدة للدلالة على المعاش، والسخرية التي تعيد بناء الجماعة، وأشكال مغايرة للذات، وأخيراً، ولعلّ هذا هو الأهم، موسيقى تبتكر خيالاً جديداً لإستعادة العلاقة مع الواقع. إذا كانت القراءة المبرونة قد زعزعت الثقة باللغة السياسية، فإنّ أوّل أشكال الترميم عند زياد يبدأ من استملاك اللغة وإعادة توزيع مواردها النقدية على مستخدميها. يجترح زياد تعابير ومفردات وصيغاً لغوية لا تزال جزءاً من التداول اليومي، يقدّم من خلالها مفردات للدلالة على واقع فشلت اللغة السياسية السائدة في احتوائه أو وصفه، فيخلق لجمهوره فضاءً لغويًّا جديدًا يستطيع أن يتعرّف إلى نفسه داخله. ولعلّ مقولته الشهيرة بأنّ «كل الطوائف عندها دول تحميها، أما العلمانيين فما إلهن إلا الله» تدلّ على الدور الترميمي للسخرية. فالعبارة لا تضيف إلى المتلقّي معرفة جديدة عن المجتمع الطائفي في لبنان، بقدر ما تمنح تجربة التهميش السياسي لغةً مشتركة، فتحوّل الإحساس بالخذلان والوحدة من عبء فردي إلى تجربة جامعة.يتعدّى الفعل الترميمي هذا اللغة وإعادة بناء الجماعة، ليمتدّ إلى الذات التي تعيد أعمال زياد الرحباني تخيّلها. فإذا كانت شخصياته قد كَشفت، كما تبيّن سابقاً، كيف تُنتج البنى السياسية والاقتصادية ذواتاً مرتابة وممزّقة، فإنها تبتعد عن صورة الذكر الخارق أو المتماسك وتضع نموذجاً مغايراً للذكورة. فالرجولة في عالم زياد بعيدة عن اليقين، أو السلطة، أو القوة. هي محاولة في تجسيد الهشاشة، للاحتفاء بالتردّد والضحك رغم الإخفاق. ويتجلّى هذا التصوّر في مسرح زياد كما في أغنيته، حيث يظهر الرجل عاجزاً، محبطاً، مهزوماً، يعيش ضعفه على الملأ من دون اعتذار أو خجل. بهذا المعنى، لا يرمّم زياد صورة الرجل بقدر ما يرمّم إمكانية العيش داخل الفشل نفسه، فيطبّع هشاشة الذكورية بعدما كانت معرّضة للإنكار. غير أنّ هذا المشروع الترميمي لا يخلو من تناقضات. فإذا كان زياد قد تمكّن من تفكيك نموذج الذكورة البطولية، ونزع عن مسرح الرحابنة هالة الطهارة، خصوصاً تلك التي أحاطت بشخصية فيروز، فإنه لم يصل إلى بناء عالم موازٍ تسكنه ذاتٌ نسويّة متحرّرة. فالنساء في عالم زياد، ولو أنّهن قد تحرّرنَ من مثال المرأة الرحبانية الطاهرة، فإنهنّ لا يزلن عالقات في صورة معاكسة على القدر ذاته من الاختزال. فنساء زياد يأتين إلينا من عالم الحانات والملاهي الليلية والعمل الجنسي، كموضوع للرغبة والاستغلال، فيما تبقى أدوارهنّ الفكرية والسياسية أقلّ اتساعاً من أدوار الشخصيات الذكورية. وحتى حين يتمتّع بعضهنّ بقدر كبير من الوعي السياسي، كثريا وغيرها، فإنهنّ يؤدّين في الغالب دوراً كاشفاً لأزمات الرجال على حساب امتلاكهنّ ذوات مستقلة ذات مشروع خاصّ بها. فحتى لو كان زياد قد نجح في إعادة تخيّل الذات الذكورية وتحريرها من نموذج البطولة، فإنّ مخيلته الترميمية تبلغ حدودها عند شخصياته النسائية. لكن، وإن عجزت الكلمة، فالموسيقى كفيلة في ترميم كلّ ما تبقّى.رسم: حاتم الإمام.في بداية الثمانينات، ومع تزايد انتشار أعمال زياد على الكاسيتات، بدأ زياد يتحدّث في مقابلاته عن المسرح بوصفه مصدر رزق، ومنبراً لتعرية التناقضات الداخلية للخطاب الذي يبدّي القراءة الطائفية على القراءة الطبقية للحرب الأهلية. ومن «سهرية» التي تضمّنت عشرات الأغنيات والمواويل، إلى «شي فاشل» التي لم يغنِّ فيها أحد، بدأت محاولات زياد بتقديم مشروعه الموسيقي بشكل منفصل عن مشروعه المسرحي والغنائي. لم يكن التحدّي مجرّد انتقال من المسرح إلى الموسيقى، بل كان يعني الانتقال من وسيط يقوم على اللغة إلى آخر يبحث عمّا تعجز اللغة نفسها عن قوله. وإذا كانت المسرحيات قد علّمت جمهورها كيف يفكّك الخطاب الأيديولوجي، فإنّ مشروع زياد الموسيقي سيبحث عن سبل أخرى لإقامة علاقة مع العالم يكون فيها الإصغاء هذه المرّة هو الأساس. وقد تكون مغامرة تعريف جمهوره على نوع موسيقيّ جديد يقلّ فيه الكلام، من أخطر المغامرات في مسيرة زياد، ولكن من أكثرها قدرةً على تقديم قراءات ترميمية للعالم.«كيف مننتج موسيقى أمميّة بشروط متخلّفة؟»، يكرّر زياد هذا السؤال في الفيلم التسجيلي الموسيقي «هدوء نسبي» (1985). نحن في بيروت الغربية: لا ماء، ولا كهرباء، ولا هاتف، ولا حركة وطنية ولا أفق سياسياً في ظل المفخخات والخطف والاغتيالات اليومية. كل هذا الخراب، وزياد الرحباني ومجموعةٌ من الموسيقيين والفنانين، من سامي حواط وعبود السعدي وكارمن لبس ومونيكا عسلي، مشغولون بالتحضير لحفلة جاز في الجامعة الأميركية. وبين مشاهد التحضير، تظهر سكتشات كوميدية يؤدّيها زياد. تتتبّع ليال الرحباني تفاصيل البروفات، متنقلة بين الاستديو وفوضى المدينة ومعابرها وشوارعها القلقة، فتختلط موسيقى الاستديو الذي كان قد أسسه زياد، مع أصوات المدينة، وكأن الموسيقى النابعة من قلق المدينة، تعود إليها. المذهل أنّ زياد تمكّن من خلق جماعة موسيقية، تلتقي في بيروت الحرب اليومية، عبر الحواجز والمعابر، كي يفكروا مجتمعين ماذا يعني لهم الجاز في تلك اللحظة وكيف يجعلون منه أداةً لتجديد التراث الموسيقي الشرقي. بداية ترميم مفهوم الجماعة الموسيقية التي كان قد هدمها في «شي فاشل».علينا أن نلحق بالعالم بالرغم من مأساة الحرب، يقول زياد. فهو اليوم في مهمّة إنتاج موسيقى شرقية بلغةٍ يفهمها العالم، يتقاطع فيها الجاز والموسيقى الشرقية في سبيل إنتاج ثقافة يسمّيها «أمميّة»، وذلك في مدينة تتفكّك مؤسّساتها وحياتها اليومية، أو بعبارة كارمن لبس: «منعرج… بس منمشي». لكن، في البداية، كان عليه أن يهيّئ مستمعيه الذين كبروا على موسيقى الرحابنة وعلى موسيقى زياد نفسه في «سهرية» و«نزل السرور» و«بالنسبة لبكرا شو»، بأنّه لن يكون هناك ربابة، لكنّ الموسيقى، رغم ذلك، ستكون شرقية، ولن يكون هناك كثير من الكلام. فزياد يرفض اختزال الموسيقى في الكلام، لأن «الكلام يحتاج إلى ترجمة، أما الموسيقى فتترجم نفسها». فهي لغة عالمية تتيح للتراث إمكانات جديدة للحياة والتجدّد. يلخّص زياد هذا المشروع في ملاحظة عابرة بقوله إنّ الغرب بدأ يستخدم «آلاتنا»، ويحذّر من أنه إذا لم نلحق به، فـ«سنبدأ باستيراد الموسيقى الغربية على آلات شرقية». تختزل هذه العبارة المستويات الثلاثة التي تتحرك بينها أعماله. فهي تعبّر، أوّلاً، عن حساسية مرتابة تستشعر خطر الاستيلاء على التراث الموسيقي العربي. ثم تنتقل إلى قراءة مرتابة تربط هذا التحوّل بعلاقات القوّة التي تحكم اقتصاد الإنتاج والاستهلاك الثقافيين، حيث لا تُستورَد الموسيقى بوصفها ألحاناً فحسب، بل بوصفها أيضاً موقعاً داخل نظام عالميّ يحدّد مَن ينتج ومَن يستهلك. غير أنّ زياد يرفض أن تكون هذه القراءة خاتمة المشروع، فاستجابتُه لا تكمن بالانغلاق على التراث أو بالاكتفاء بالتنديد بالهيمنة، بل بإنتاج موسيقى جديدة تجعل من الموسيقى العربية شريكاً في صناعة الحداثة الموسيقية، لا مجرّد موضوع يستهلكها. هكذا يتحوّل الارتياب نفسه إلى قوّة دافعة للابتكار، وتغدو الموسيقى جواباً ترميمياً عن القلق الذي كشفته القراءة البارانوية.يقدّم زياد الجاز في إطار نظريّ يصفه كلغة موسيقية عالمية قادرة على التجذّر في الثقافة العربية من دون أن تفقد خصوصيتها. فالعلاقة بين الجاز والموسيقى الشرقية ليست، بالنسبة إليه، تركيباً بين نوعين منفصلين من الموسيقى، بل اندماج عضوي داخل موسيقى واحدة، حيث يلتقي البلوز بالحجاز، وتُؤدَّى الإيقاعات الشرقية على آلات غربية. وما يجعل هذا اللقاء بين التراثين الموسيقيين ممكناً ليس الآلة، بل الحسّ الموسيقي للفنان الذي يعيد تشكيلها، لأن «الإنسان الذي يمسك هذه الآلة شرقي»، مثل عبود السعدي الذي يلعب الربع نوتة على البايس. والمفارقة أنّ العمل الطليعي هذا، والذي نرى فيه الفنانين بملابس مستقبلية يتحدّثون عن موسيقى الجاز، هو من إنتاج «النجدة الشعبية» التي تدعم المشروع بوصفه توعويًّا تثقيفيًّا يخرج من أزقة رأس بيروت ليكسر هالة الأسْطَرة المحيطة بالفن وبنبوغ الفنان، وليثقّف الجمهور حول أهمية الإصغاء كممارسة، انطلاقاً من إيمان زياد بأنّ التراث الموسيقي العربي لن يظلّ حياً إلا إذا دخل في حوار مع العالم. يتجاوز البعد الترميمي في «هدوء نسبي» إعادة تعريف العلاقة بين الموسيقى الشرقية والجاز، وإعادة الاعتبار للتراث خارج منطق الأدلجة (الرحبانية)، نحو منطق تجديدي، تواصلي، ينطلق من المعاش ليتّصل مع معاش عالمي آخر، كالجاز. يمتدّ البعد الترميمي إلى آليات توزيع الموسيقى نفسها. وقد التقط عبيدو باشا هذه السمة في قراءته للحفلة حين كتب أنّ «لكلٍّ دوره»، وأنّ العازف هو البطل بقدر ما هي الآلة «الأداة الطبيعية للكلام»، وأنّ زياد، بوصفه «مخرجاً موسيقياً»، ينجح في بناء عمل لا يختفي فيه دورٌ خلف آخر، بل يحتفظ كلّ صوت بمكانه في اللحظة المناسبة. لا يذوب الفرد داخل الجماعة، ولا تهيمن الجماعة على الفرد، إذن، بل ترتكز الجماعة الموسيقية إلى الإصغاء المتبادل، بحيث يكتسب كل صوت معناه من علاقته بالأصوات الأخرى. وإذا كانت أعمال الرحابنة قد سعت إلى تخيّل وحدة وطنية من خلال انسجام المعنى والأصوات الغنائية وخطوات الدبّيكة، فإنّ زياد يقترح نموذجاً آخر للوحدة، يستوعب الاختلاف ويفرّده داخل فضاء مشترك.تتّضح هذه المفارقة في غناء زياد لـ«يلا كشّوا برّا». يحمل صوت زياد الأجشّ ثقلاً فيه شيء من الغضب والتحدّي، عن ذات تستشعر الخطر، وتتوقّع الأذى المتربّص في بيروت الـ1985، وكأنّه يطرد أصواتاً من رأسه لم يعد يتحمّل تشويشها لرؤيته. الكلمات تشي بالارتياب، ومن قلب الارتياب ذاك وبموازاته، تتحرّك الموسيقى في اتجاه آخر يتّسع للمتعة، للّعب، للارتجال، للمبادرة بين العازفين، حيث تصغي كلّ آلة إلى الأخرى، وكلّ موسيقيّ إلى الآخر. ولهذا تبدو الموسيقى في الأغنية، كما في أغنيات أخرى في «هدوء نسبي»، وكأنها تستوعب الذات المرتابة من دون أن تجعل الارتياب مبدأها الناظم.حضر عبيدو باشا حفلة «هدوء نسبي» في الجامعة الأميركية، واختتم مقالته بما بقي معه من الحفلة: «للجميع بهجة المشاركة في حفلة من الجنون الموسيقي، الطالع من وسط جنون الحرب الأهلية، وحروب الزواريب، والحروب الكبيرة والصغيرة في أضيق من فسحة «هدوء نسبي»، على أفق لا تفتحه سوى الموسيقى والأغنية» (السفير 26-01-1985). بهذا المعنى، في أوركسترا زياد نفسها تصوّرٌ لعالم سياسيّ بديل: جماعة تنفر من عنف التجانس وتسعى لتعدّد الأصوات واللهجات واللكنات الموسيقية، تُناوِر مع الاختلاف فتجعله شرطاً لإنتاج موسيقى، أمميّة كما تخيّلها زياد. هنا تتجلّى المساهمة الترميميّة عند زياد الرحباني. فالموسيقى لا تنكر ما تكشفه القراءة البارانوية من انقسامات، وخيبات، وأوهام، بل ترفض أن يكون الكشف هذا نهاية المطاف. فإذا كانت البارانويا قد هدّمت العلاقة بين الذات والعالم، وبين الكلمة ومعناها، وبين الفرد والجماعة، فإنّ زياد سيعيد تخيّل هذه العلاقات، عبر خلق جماعة موسيقية جديدة، عبر فتح التراث الموسيقي على تراث آخر، عبر تنويط الشروخ، وتفريد الآلات، وتمرين جمهوره على الإصغاء إلى الأصوات الجشّة المتجاورة، من دون أن يفقد أيٌّ منها فرادته. وكان زياد يتخيّل كلّ ذلك لحظةَ كانت المدينة قد جنّت، جنّت حقاً.اللازمة الأخيرة: الكلام لتفكيك العالم والموسيقى لبنائه.
4 minutes
في عالم زياد الرحباني المسرحي والغنائي، لا أحد يقول تمامًا ما يعنيه. الكلمات لا تعني الكثير، والنوايا أكثر غموضًا من الوقائع، والسلطة تتخفّى وراء خطابات خاوية تدفع الفرد إلى حالة من التشكيك الدائم بنفسه وبالآخر. تتحرّك شخصيات زياد بين الشائعات، والمؤامرات، والمصالح الخفية، والخطابات التي لم تعُد قادرة على تفسير العالم، حتى باتت البارانويا ملجأً لتلك الشخصيات في محاولتها إدراك ذاك العالم نفسه. فالبارانويا لا تنبع من مخيّلة زياد الأدبية، بقدر ما تنتمي إلى لحظة الحرب الأهلية، تلك اللحظة التي تشظّت فيها مراكز القرار، وتقاطعت فيها سلطات الميليشيات، وكثُرت التدخّلات الخارجية وشبكات الزبائنية الطائفية، حتى تحوّلت البارانويا من حالة عياديّة فردية إلى ممارسة في الواقعية السياسية. غالبًا ما قُرئت أعمال زياد بوصفها نقدًا للطائفية، أو للبرجوازية، أو للهزيمة، أو للحرب الأهلية. إلا أنّ مجموع أعماله يقدّم رؤيةً إضافيّة وبنيةً معرفيةً كاملة تحتلّ فيها البارانويا موقعًا مركزيًّا. فما الذي سيتكشّف أمامنا، إذن، حين نقرأ مشروع زياد الرحباني الموسيقي والغنائي والمسرحي من خلال النظر إلى ما تُتيحه رؤيتُه المرتابة للعالم؟ لا يلبث هذا السؤال أن يُفضي إلى سؤال آخر: هل تكتفي أعمال زياد الرحباني بإعادة إنتاج أنماط معرفية قائمة على الشكّ والفضح، أم أنّها تبتكر، من زوايا العالم المأزوم نفسه، إمكاناتٍ لبناء عالمٍ موازٍ، يرمّم فيه زياد ما هدمتْه منظومة الحرب الأهلية وما فكّكه هو بفعل قراءته المرتابة لها؟«في شي بدّه يصير، في شي عم بيصير»، أو كيف نرى العالميجتاح القلق وانعدام اليقين العلاقات الثنائية التي يُمسرِحها زياد، حيث يرتاب العاشقُ من الآخر الذي يهوى، فيبقى عالقًا في سؤال البدايات: هل تشعر بشيء تجاهي؟ هل تحبّني؟ لتصل البارانويا إلى أقصاها عندما تتخطّى العاشقة التساؤل عن الحب، فتطرح سؤالاً أكثر التباسًا، حول ما إذا كانت نوايا الآخر تجاهها صافية: «ويمكن حُبَّك جدّ/ بس أنا تعبانة». ما من سبيل للتحقّق من نوايا الآخر سوى الغوص في الاستجواب والتحقيق. تبدو شخصيات زياد على هذا القدر من الارتياب، فتبدأ بمحاكاة الأذى نفسه الذي تظنّ أنّ الآخر يسبّبه: «مبارح عالوصلة مفتّشلي غراضي/ ومفتّحلي علبي». ومع غياب الإجابات، تدخل الشخصيات في حالة مكثّفة من الارتياب، مُستبقةً أذىً لا بدّ أن يقع، «في شي بدّو يصير/ في شي عم بيصير» تقول العاشقة، قبل أن يتملّكها الوسواس القهري الذي تزداد معه وتيرة التساؤل على لسان كورس يكرّر «ليلية بسألك/ شو معقول/ بعنيلك لإلك/ ما بتقول/ بعنيلك/ قلي/ أو ما بعني شي». بالنهاية، ورغم التطمينات التي يسمعها العاشق، يبقى الارتياب هو الأصدق: «ما عدت أعنيلك شي/ أنا حاسس بصراحة/ ما عدت إنفع لشي/ ما شي واضح بصراحة». يتجاوز القلق العلاقة الثنائية فيُستدعى إليها طرف ثالث، هو ذلك الكائن الهلامي المسمى الآخرون. يتكرّر في أغاني زياد شعور الارتياب من الشريك الذي يغذّي الثرثرة والشائعات، أو كما يقول زياد بمرارة، «كل اللي قايلهن عنّي وصلوا لي». وبالمرارة ذاتها، ترتاب العاشقة من كذب حبيبها الذي يشوّه صورتها أمام الآخرين، «شو بتخبّر أصحاب وزوّار/ عنّي إنّي محدودة وبغارْ»، مُفشيًا أسرارًا حميمية، ومعرِّضًا الذات للانكشاف أمام أعين غريبة، مترصّدة.تحاكي البارانويا العاطفية العالم السياسي الذي تتحرّك فيه شخصيات زياد. فتساؤلات العاشق عن حبيبته- هل تكذب؟ ماذا تخفي؟ هل ستخون؟- هي نفسها تساؤلات شخصيات زياد عن الخطاب السياسي الذي يتردّد أمامها. هكذا تصبح العلاقة الحميمية مختبرًا مصغَّرًا لمنطق الارتياب الذي يحكم المجتمع بأسره، كما يصوّره زياد، مثلاً، في «بالنسبة لبكرا شو» (1978)، المسرحية التي يتناول فيها تشكُّل الوعي السياسي لدى زكريا الذي يؤدّي دورَه زياد نفسه.ماذا يحمل الغد لثريا وزكريا، الثنائي الذي هجر الريف بحثًا عن حياة أفضل في المدينة؟ زكريا الذي يبدو فاقدًا وعيَه، بالمعنيَيْن الحرفي والسياسي، يعمل في بار، بينما تعمل ثريا، زوجته الواعية لمتطلبات حياتهما الجديدة، في مطبخ البار. يتعرّض الثنائي للاستغلال على يد ربّ العمل الذي يمتنع عن دفع مرتّبات كافية لهما كي يعيشا حياةً كريمة. ومع الوقت، يدرك زكريا أنّ أمامه خيارَيْن لا ثالث لهما: إمّا أن يهاجر إلى الخليج بمفرده كي يعيل أسرته، وإمّا أن يتقبّل أن تعمل زوجته جليسةً لزبائن البار السكارى، أي أن يختار أن يُستغلّ هو في الخليج أو أن تُستغلّ زوجته جنسيًّا.ومع تكثّف الاستغلال الحالي وسوداوية الاستغلال المقبل، يعلّق زياد الفكاهة. يبدأ زكريا بالتساؤل عن موقعه الطبقي، عن مصالح صاحب العمل، فنستشفّ في تعابيره وعيًا سياسيًّا قيد التشكّل. يصف زكريا المنظومة الاجتماعية والاقتصادية بوصفها بنية، ولو أنها غير مرئية، إلا أنها مشروطة بالاستغلال. ومن موقعه كعامل مستغَلّ وكزوج مُهان، تبدأ غيرة زكريا على ثريا، غيرة لا تلبث أن تتحوّل ارتيابًا: من هذا الذي يكلّمك؟ لماذا تضحكين مع ذاك؟ لماذا تقفين مع هؤلاء؟ عندها، يدخل زكريا في دوامة من البارانويا ستنتهي إلى عنف لن يطيح بربّ العمل، أو بالمنظومة، بل يطيح بزكريا وحده. هكذا ينسلّ العنف البنيوي لدى زياد إلى البنية الحميمية، وهكذا يحاكي العنف الحميمي العنف البنيوي. رسم: حاتم الإمام.ترتاب شخصيات زياد من كلّ ما تراه أمامها. فهي لا تتساءل ما إذا كان القول السياسيّ صائباً أم لا، بقدر ما تتساءل إن كان أولئك الذين تثق بهم يتكلّمون بصدق، إن كانت نواياهم سليمةً أصلاً. يطرح زياد إشكالية الكلام الزائف في «فيلم أميركي طويل» (1980). في مصحّ عقليّ، تلتقي الشخصيات التي جعلها زياد ممثِّلةً للأطياف اللبنانية المختلفة: إدوار المسيحي المرتاب من المسلمين، نزار اليساري المرتاب من البرجوازية والمؤامرات الإمبريالية، وقاسم المرتاب من المتفجرات، وعبد الأمير الأكاديمي المهجوس بمؤامرة كونيّة، وهاني المرتاب من الحواجز والخطف على الهوية، وأخيراً رشيد (زياد نفسه) الذي وصلت به البارانويا إلى ضرب مواطن في الشارع لا لشيء، سوى أنّ الرجل بدا وكأنه يدّعي البراءة. يحاول الطاقم الطبّي تهدئة المرتابين، تارةً بالعقاقير وتارةً أخرى بالمشاوير، وصولاً إلى استخدام الكرسي الكهربائي في الوقت الذي تحلّق فيه الطائرات الحربية فوق رؤوس الجميع، وتدوّي الانفجارات في الخلفية. في مقابلة حول المسرحية، يتحدّث زياد كيف أنّ الخطاب السياسي (الوطني، العلماني، العروبي، اليساري…) المناهض تاريخياً للنظام اللبناني المهيمِن (اليميني، المسيحي، الانعزالي، الرأسمالي…) صار مع بداية الحرب هو نفسه معرض الشكّ، وذلك لأنه لم يعِر أهمية لحالة الانسلاخ التي كان قد بدأ يعيشها الفرد. ففي الحرب، كثر إذلال الأفراد على يد الجماعات نفسها التي تدّعي تحريرهم. يصف زياد شخصية نزار المنتمي إلى الحركة الوطنية بأنه «منفصم»، يحاول أن يوفّق بين ما يسمعه عن إنجازات الحركة الوطنية وما يراه من إخفاقات لها. «بين الفم والأذن تضيق رقعة الحقيقة وتتوه العبارات في دهاليز الألفاظ الرنانة»، يقول زياد مضيفاً أنّ نزار «يسمع ما يقول [السياسي] لكنه لا يستطيع تصديق كلامه: كل كلمة لوحدها مظبوطة، لكن بس يجمعها مش عم تزبط.» (السفير، 1980/10/05). كيف تنجو الذات، إذن، بعد أن تعي أنّ المنظومة الإيديولوجية التي وعدتْها يوماً بالتحرّر قد تداعت؟ أولى ضحايا هذا الإدراك هي البراءة. فالآخر، إن كان مقاتلاً أو مثقفًا أو فنانًا أو مواطنًا عاديًّا، لا بدّ أن يكون قد فقدَ براءته، أو أن يكون مساهمًا في تناقضات المنظومة السياسية وعنفها. فرشيد ينتهي في المصحّ لأنه ضرب رجلاً، ظنًّا منه أنّ ذاك الرجل متورِّط حتمًا بشيء ما- بجريمة، بكذبة، بمؤامرة- حاله كحال أيّ مواطن آخر من ضحايا المنظومة والمساهمين في إعادة إنتاجها في الآن نفسه. في أغاني زياد، يبدو الآخر أيضًا وكأنّه تجسيد للنظام الخارجي بمكوّناته الأمنية والسلطوية، وهو، كما المنظومة نفسها، يتأبّط شرًّا. «بس شكله مش مريح»، هكذا يعبّر زياد عن قلقه من رجل غريب في «أن فير شي نو»، وفي «٠٠٧» يدعو جليسته إلى الاحتشام خوفًا من رجل واحد «فيه ضابط مدري بكم نجمة/ قاعد عالطاولة هونيك»، لكنّ هذا الرجل الواحد يتحوّل تحت وقع الارتياب إلى مجموعة من الرجال الذين «أخذوا اسمك/ أخذوا اسمي»، قبل أن ينتهي المشهد على اعتقال مَن رأى الأذى محدِّقًا، ولم يصدّقه أحد. اللازمة الأولى: أن تكون مرتاباً لا يعني أنّ أحداً لا يتربّص بك.تتخطّى البارانويا شخصيات زياد، لتتسلّل إلى شكل العمل الفني نفسه. فالتكرار، والاستفهام المهجوس، والحوارات الدائرية، والانقطاع المستمر في التواصل، جميعها تدلّ إلى الارتياب، وكذلك الكورس الذي يبدو وكأنه يدور في حلقة من الوَساوِس وهو يرددّ كلمات معدودة: «ليلية بسألك/ شو معقول/ أعني لك لإلك/ ما بتقول/ بعني لك/ قل لي/ أو ما بعني شي؟»، قبل أن ينتقل الهوس إلى لسان سامي حواط الذي يستجدي الآخر من خلال تكرار «ما تفلّ» إلى ما لا نهاية. في عالم الحرب الأهلية الذي تتشظّى فيه مراكز السلطة كما الخطابات الإيديولوجية التي تطبّعها، لا تبدو البارانويا لدى شخصيات زياد مجرّد خلل إدراكي. ذلك أنّ أعماله تصوّر شخصيات مرتابة وشكاكة، وتحرّض المتلقّي في الوقت عينه على تبنّي موقع تأويليّ مشكِّك، لا يثق بالمعنى الظاهر، ويبحث دوماً عن الدوافع والمصالح الكامنة خلف الخطابات السياسية. هكذا تنتقل البارانويا من كونها سمةً من سمات شخصيات أعمال زياد المسرحية والموسيقية إلى منهجية معرفية متكاملة تعتمد القراءة المرتابة وسيلةً لاستكشاف تجذّر عنف الإيديولوجيا. «والفيلم مكفّى وفاهمينه وشايفينه من دون شاشة»، أو كيف نقرأ العالمتتناول أعمال زياد شخصيات مرتابة أوّلاً، وتجعل الارتياب شرطاً لفهمها ثانياً. فمن يتلقَّ مسرحه وأغانيه يتعلّم سريعاً ألا يأخذ الخطاب السياسي على ظاهره، وألا يقرأ الكلمات بوصفها تعبيراً أميناً عن المواقف، بقدر ما هي آثار للمصالح والمواقع وعلاقات القوة التي تتحرّك خلفها. فأعمال زياد تطالب المتلقّي بألّا يكتفي بالمعنى الظاهريّ، وأن يبحث عن المعاني التي يحجبها، والتي تكمن في طيّاته.وقد سمّى بول ريكور المقاربة التأويلية هذه «هيرمينوطيقا الارتياب»، أي الممارسة النقدية التي تفترض أنّ الوعي ليس ظاهراً بنفسه، بمعنى أنّ في الخطاب مستويات من المعاني الظاهرة والمتخفية التي على القارئ إدراكها، وأن الخطاب لا يكشف الحقيقة بقدر ما يعيد تنظيمها أو يحجبها. هي قراءة تفترض أنّ المعنى الحقيقي موجود دائماً حيث لا ننظر: خلف الخطاب، أو تحته، أو خارجه- في زواياه القاتمة حتماً. فالظاهر في ما يُقال هنا ليس نقيض الخفيّ، بل طريقته في الظهور متلاعباً، مموَّهاً. ومن هنا يصبح التأويل المرتاب ممارسةً في الكشف والفضح والتعرية وإعادة تركيب العلاقة بين المُعلَن والمُضمَر.غير أنّ ما يفعله زياد يتجاوز مجرّد توظيف «هيرمينوطيقا الارتياب» كأداة نقدية. فهو يحوّلها من وسيلة لقراءة الواقع إلى تجربة جمالية يعيشها المتلقّي نفسه. وهنا تلتقي أعمال زياد مع ما سمّته إيف سيدجويك «القراءة البارانوية»، أو كما أحبّ أن أسمّيها «القراءة المِبَرْوِنة» (تُلفظ باللهجة المصرية)، أي نمط القراءة الذي يفترض أنّ المعنى الحقيقي موجود دائماً في مكان آخر، وأنّ مهمة الناقد هي النظر إلى ما استتر بين السطور، أي تعقّب ما يخفيه الخطاب من مصالح وأيديولوجيات وآليات هيمنة، حتى لو اضطرّ، كما تكتب سيدجويك، إلى «توظيف المكر لإسكات الارتياب، والارتياب في مواجهة المكر». لا مرتابَ ولا مكّارَ مثل زياد. فأعماله تتعامل مع الشعارات على أنها أقنعة أكثر منها تعبيرات عن قناعات، كما تتعامل مع مكوّنات الثقافة، من اللغة إلى الفولكلور الغنائي، على أنّها وعاءٌ للأيديولوجيا. هنا تأتي «شي فاشل» (1983) التي تجعل من الارتياب نفسه منهجيّةً فكريّةً. يتناول زياد في المسرحية موضوع التراث (اللبناني) بوصفه مشروعًا فاشلاً. وكان زياد قد تعرّض في مسرحيّتيه السابقتين «نزل السرور» و«بالنسبة لبكرا شو» للتراث كإشكالية ثانوية ضمن مجموع التناقضات الأساسية التي تحرك شخصياته الضائعة بين موقعها الطبقي ووعيها السياسي. إلا أنّ التراث في «شي فاشل» يأخذ حيّزًا أساسيًّا في النقد الساخر على شكل مسرحية داخل مسرحية، أو بالأحرى مسرحية خيالية قيد التحضير داخل مسرحية أخرجها زياد فعلاً عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. يؤدّي زياد دور نور الذي يحاول أن يخرج مسرحية قصتها مألوفة، عن قرية جبلية هانئة يسرق الغريب جرّةً من ساحتها. إلا أنّ المسرحية (داخل المسرحية) لن ترى الضوء بسبب العوائق التي فرضتها الحرب: لا كهرباء، لا ماء، ولا تواصل مع الصحافة والمثقفين، ولا تفاهم مع منتج المسرحية، ولا حتى بين الممثلين والدبيكة الذين أتوا من جزأَيّ المدينة المنقسمة على ذاتها. وفيما تنهار المسرحية (داخل المسرحية) بسبب كل تلك الأسباب الظاهرية، ينكشف المبنى الباطني للتراث وينهار أمام مشاهدين يسمعون نقداً عن علاقة التراث بالبنى الأيديولوجية، ربّما للمرة الأولى. وفي الدلالة إلى الإنهيار الرمزي، تكمن مساهمة زياد في تأليب المشاهدين، وآلاف المستمعين على الكاسيت لاحقاً، على الأسطورة المسمّاة «التراث» والأساطير الصغرى المحيطة بها. بهذا المعنى، يتجاوز زياد تفكيك إيديولوجيا النظام السياسي اللبناني كما كان قد فعل في «بالنسبة لبكرا شو»، ليصل إلى مكوّناته الرمزية والجمالية، وفي مقدّمتها مسرح الرحابنة الذي كان لا يزال يقدّم التراث كمرادف لوحدة اللغة والثقافة والوطن. كان يمكن لزياد أن يتجاهل مشروع والديه الفني، إلا أنه في «شي فاشل» احتلّ وضعيةً تأويلية مرتابة تجاهه، بكل تلك الراديكالية، بكل تلك السخرية.اللازمة الثانية: لا تصدّق الأسطورة، بل سائل الأيديولوجيا التي تطبّعها.هكذا تنتج أعمال زياد ذاتًا قارئة تتعامل مع السياسة بوصفها لغزاً تأويليًّا دائمًا، وتتعامل مع المعنى باعتباره أثرًا لبنية غائبة أكثر منه حضورًا مكتفيًا بذاته. من هنا يحتلّ مصطلح «الفيلم» مكانًا مركزيًّا في عالمه. فـ«الفيلم» ليس مجرّد مرادف للمؤامرة، ولا اسمًا شعبيًّا للخداع السياسي، بل استعارة عن عالم يبدو وكأنّه منجزٌ، تتحرّك شخصيّاته وفق سيناريو كُتب سلفًا من دون أن تتمكّن من السيطرة عليه. ويستمرّ «الفيلم»، بمعنى أنّ مكر الإيديولوجيا لا يتوقّف، إلا أن زياد سيجعلك قادرًا على التعرّف إليها رغم استتارها، أو كما يقول سامي حواط «والفيلم مكّفى/ وفاهمينه/ وشايفينه من دون شاشة». فلو كانت شخصيات زياد لا تزال بعيدةً عن الحقيقة النهائية، إلا أنها باتت قادرة على رؤية العالم بوصفه عرضًا مكتملاً، تُدار أحداثه وراء الكواليس. هكذا تصبح البارانويا منهجية ثابتة لإدراك الواقع في كل أطيافه.غير أن لهذه الوضعية التأويلية كلفتها أيضاً. فإذا كانت القراءة المِبَرْوِنة تكشف باستمرار ما تخفيه الأيديولوجيا، فإنها قد تجد نفسها، كما تشير إيف سيدجويك، حبيسة المنطق نفسه الذي تسعى إلى فضحه. فبينما تقرّ سيدجويك بأهمية هذا النمط من القراءة وقدرته على تعرية الأيديولوجيا وكشف علاقات القوة، فإنّها ترى أن هيمنته على الممارسة النقدية الحديثة- من نيتشه إلى ماركس وفرويد وتراثهم النقدي- جعلت من الارتياب أفقاً وحيداً للمعرفة، وهمّشت أنماطاً أخرى من القراءة لا تقلّ نقدية. فعندما يصبح العالم كلّه «فيلماً»، يغدو كلّ حدث دليلاً إضافياً على صحة السيناريو نفسه، وتتحوّل المعرفة إلى إعادة متواصلة لكشف ما نعرفه مسبقاً. ومن هنا تطرح سيدجويك سؤالها المفصلي: متى يتحوّل الارتياب من أداة للتحرّر إلى أفق مغلق يعجز عن تخيّل أشكال أخرى من المعرفة والحياة؟ وهل هذا يعني أن مشروع زياد النقدي والفني ينتهي عند القراءة المِبَرْوِنة هذه؟ الإجابة المقتضبة: لا. «منعرج بس منمشي»، أو كيف نعيش في العالم بعد أن عرفنا حقيقته؟هل تكفي القدرة على كشف الأوهام من أجل فهم العالم والعيش فيه؟ أم أنّ أعمال زياد تتيح أيضاً إمكانات أخرى للعلاقة بالنص وبالآخر، لا تقوم على الشك والفضح وحدهما؟ من هذه الأسئلة نعود إلى ما تقترحه سيدجويك وتسمّيه «القراءة الترميمية»، وهي ممارسة تأويلية لا تجعل من كشف الأيديولوجيا أو فضح السلطة غايتها الوحيدة، بل تنظر إلى النص بوصفه فضاءً يمكنه أيضاً أن ينتج المعرفة، والمتعة، والتماسك، وإمكانات جديدة للعيش. بقدر ما تقرّ بأهمية القراءة المرتابة، تقترح سيدجويك نمطاً موازياً لها، يكمّل إمكاناتها التقويضية، وينشغل بما يبنيه النصّ لا بما يفكّكه فحسب. فإذا كانت القراءة البارانوية تسأل عمّا يخفيه النص أو ما يسعى إلى فضحه، فإنّ ما تسمّيه سدجويك «القراءة الترميمية» ينطلق من سؤال مختلف، عن أشكال الحياة التي تستمرّ داخل العوالم البارانوية، وعن كيف يمكن للنص أن يتيح إمكانات للاستمرار، وإعادة بناء المعنى، حتى في ظلّ عالم مُشبَع بالعنف والخسارة. في عالم زياد، تكثر الأساليب الترميمية، منها اجتراح لغة جديدة للدلالة على المعاش، والسخرية التي تعيد بناء الجماعة، وأشكال مغايرة للذات، وأخيراً، ولعلّ هذا هو الأهم، موسيقى تبتكر خيالاً جديداً لإستعادة العلاقة مع الواقع. إذا كانت القراءة المبرونة قد زعزعت الثقة باللغة السياسية، فإنّ أوّل أشكال الترميم عند زياد يبدأ من استملاك اللغة وإعادة توزيع مواردها النقدية على مستخدميها. يجترح زياد تعابير ومفردات وصيغاً لغوية لا تزال جزءاً من التداول اليومي، يقدّم من خلالها مفردات للدلالة على واقع فشلت اللغة السياسية السائدة في احتوائه أو وصفه، فيخلق لجمهوره فضاءً لغويًّا جديدًا يستطيع أن يتعرّف إلى نفسه داخله. ولعلّ مقولته الشهيرة بأنّ «كل الطوائف عندها دول تحميها، أما العلمانيين فما إلهن إلا الله» تدلّ على الدور الترميمي للسخرية. فالعبارة لا تضيف إلى المتلقّي معرفة جديدة عن المجتمع الطائفي في لبنان، بقدر ما تمنح تجربة التهميش السياسي لغةً مشتركة، فتحوّل الإحساس بالخذلان والوحدة من عبء فردي إلى تجربة جامعة.يتعدّى الفعل الترميمي هذا اللغة وإعادة بناء الجماعة، ليمتدّ إلى الذات التي تعيد أعمال زياد الرحباني تخيّلها. فإذا كانت شخصياته قد كَشفت، كما تبيّن سابقاً، كيف تُنتج البنى السياسية والاقتصادية ذواتاً مرتابة وممزّقة، فإنها تبتعد عن صورة الذكر الخارق أو المتماسك وتضع نموذجاً مغايراً للذكورة. فالرجولة في عالم زياد بعيدة عن اليقين، أو السلطة، أو القوة. هي محاولة في تجسيد الهشاشة، للاحتفاء بالتردّد والضحك رغم الإخفاق. ويتجلّى هذا التصوّر في مسرح زياد كما في أغنيته، حيث يظهر الرجل عاجزاً، محبطاً، مهزوماً، يعيش ضعفه على الملأ من دون اعتذار أو خجل. بهذا المعنى، لا يرمّم زياد صورة الرجل بقدر ما يرمّم إمكانية العيش داخل الفشل نفسه، فيطبّع هشاشة الذكورية بعدما كانت معرّضة للإنكار. غير أنّ هذا المشروع الترميمي لا يخلو من تناقضات. فإذا كان زياد قد تمكّن من تفكيك نموذج الذكورة البطولية، ونزع عن مسرح الرحابنة هالة الطهارة، خصوصاً تلك التي أحاطت بشخصية فيروز، فإنه لم يصل إلى بناء عالم موازٍ تسكنه ذاتٌ نسويّة متحرّرة. فالنساء في عالم زياد، ولو أنّهن قد تحرّرنَ من مثال المرأة الرحبانية الطاهرة، فإنهنّ لا يزلن عالقات في صورة معاكسة على القدر ذاته من الاختزال. فنساء زياد يأتين إلينا من عالم الحانات والملاهي الليلية والعمل الجنسي، كموضوع للرغبة والاستغلال، فيما تبقى أدوارهنّ الفكرية والسياسية أقلّ اتساعاً من أدوار الشخصيات الذكورية. وحتى حين يتمتّع بعضهنّ بقدر كبير من الوعي السياسي، كثريا وغيرها، فإنهنّ يؤدّين في الغالب دوراً كاشفاً لأزمات الرجال على حساب امتلاكهنّ ذوات مستقلة ذات مشروع خاصّ بها. فحتى لو كان زياد قد نجح في إعادة تخيّل الذات الذكورية وتحريرها من نموذج البطولة، فإنّ مخيلته الترميمية تبلغ حدودها عند شخصياته النسائية. لكن، وإن عجزت الكلمة، فالموسيقى كفيلة في ترميم كلّ ما تبقّى.رسم: حاتم الإمام.في بداية الثمانينات، ومع تزايد انتشار أعمال زياد على الكاسيتات، بدأ زياد يتحدّث في مقابلاته عن المسرح بوصفه مصدر رزق، ومنبراً لتعرية التناقضات الداخلية للخطاب الذي يبدّي القراءة الطائفية على القراءة الطبقية للحرب الأهلية. ومن «سهرية» التي تضمّنت عشرات الأغنيات والمواويل، إلى «شي فاشل» التي لم يغنِّ فيها أحد، بدأت محاولات زياد بتقديم مشروعه الموسيقي بشكل منفصل عن مشروعه المسرحي والغنائي. لم يكن التحدّي مجرّد انتقال من المسرح إلى الموسيقى، بل كان يعني الانتقال من وسيط يقوم على اللغة إلى آخر يبحث عمّا تعجز اللغة نفسها عن قوله. وإذا كانت المسرحيات قد علّمت جمهورها كيف يفكّك الخطاب الأيديولوجي، فإنّ مشروع زياد الموسيقي سيبحث عن سبل أخرى لإقامة علاقة مع العالم يكون فيها الإصغاء هذه المرّة هو الأساس. وقد تكون مغامرة تعريف جمهوره على نوع موسيقيّ جديد يقلّ فيه الكلام، من أخطر المغامرات في مسيرة زياد، ولكن من أكثرها قدرةً على تقديم قراءات ترميمية للعالم.«كيف مننتج موسيقى أمميّة بشروط متخلّفة؟»، يكرّر زياد هذا السؤال في الفيلم التسجيلي الموسيقي «هدوء نسبي» (1985). نحن في بيروت الغربية: لا ماء، ولا كهرباء، ولا هاتف، ولا حركة وطنية ولا أفق سياسياً في ظل المفخخات والخطف والاغتيالات اليومية. كل هذا الخراب، وزياد الرحباني ومجموعةٌ من الموسيقيين والفنانين، من سامي حواط وعبود السعدي وكارمن لبس ومونيكا عسلي، مشغولون بالتحضير لحفلة جاز في الجامعة الأميركية. وبين مشاهد التحضير، تظهر سكتشات كوميدية يؤدّيها زياد. تتتبّع ليال الرحباني تفاصيل البروفات، متنقلة بين الاستديو وفوضى المدينة ومعابرها وشوارعها القلقة، فتختلط موسيقى الاستديو الذي كان قد أسسه زياد، مع أصوات المدينة، وكأن الموسيقى النابعة من قلق المدينة، تعود إليها. المذهل أنّ زياد تمكّن من خلق جماعة موسيقية، تلتقي في بيروت الحرب اليومية، عبر الحواجز والمعابر، كي يفكروا مجتمعين ماذا يعني لهم الجاز في تلك اللحظة وكيف يجعلون منه أداةً لتجديد التراث الموسيقي الشرقي. بداية ترميم مفهوم الجماعة الموسيقية التي كان قد هدمها في «شي فاشل».علينا أن نلحق بالعالم بالرغم من مأساة الحرب، يقول زياد. فهو اليوم في مهمّة إنتاج موسيقى شرقية بلغةٍ يفهمها العالم، يتقاطع فيها الجاز والموسيقى الشرقية في سبيل إنتاج ثقافة يسمّيها «أمميّة»، وذلك في مدينة تتفكّك مؤسّساتها وحياتها اليومية، أو بعبارة كارمن لبس: «منعرج… بس منمشي». لكن، في البداية، كان عليه أن يهيّئ مستمعيه الذين كبروا على موسيقى الرحابنة وعلى موسيقى زياد نفسه في «سهرية» و«نزل السرور» و«بالنسبة لبكرا شو»، بأنّه لن يكون هناك ربابة، لكنّ الموسيقى، رغم ذلك، ستكون شرقية، ولن يكون هناك كثير من الكلام. فزياد يرفض اختزال الموسيقى في الكلام، لأن «الكلام يحتاج إلى ترجمة، أما الموسيقى فتترجم نفسها». فهي لغة عالمية تتيح للتراث إمكانات جديدة للحياة والتجدّد. يلخّص زياد هذا المشروع في ملاحظة عابرة بقوله إنّ الغرب بدأ يستخدم «آلاتنا»، ويحذّر من أنه إذا لم نلحق به، فـ«سنبدأ باستيراد الموسيقى الغربية على آلات شرقية». تختزل هذه العبارة المستويات الثلاثة التي تتحرك بينها أعماله. فهي تعبّر، أوّلاً، عن حساسية مرتابة تستشعر خطر الاستيلاء على التراث الموسيقي العربي. ثم تنتقل إلى قراءة مرتابة تربط هذا التحوّل بعلاقات القوّة التي تحكم اقتصاد الإنتاج والاستهلاك الثقافيين، حيث لا تُستورَد الموسيقى بوصفها ألحاناً فحسب، بل بوصفها أيضاً موقعاً داخل نظام عالميّ يحدّد مَن ينتج ومَن يستهلك. غير أنّ زياد يرفض أن تكون هذه القراءة خاتمة المشروع، فاستجابتُه لا تكمن بالانغلاق على التراث أو بالاكتفاء بالتنديد بالهيمنة، بل بإنتاج موسيقى جديدة تجعل من الموسيقى العربية شريكاً في صناعة الحداثة الموسيقية، لا مجرّد موضوع يستهلكها. هكذا يتحوّل الارتياب نفسه إلى قوّة دافعة للابتكار، وتغدو الموسيقى جواباً ترميمياً عن القلق الذي كشفته القراءة البارانوية.يقدّم زياد الجاز في إطار نظريّ يصفه كلغة موسيقية عالمية قادرة على التجذّر في الثقافة العربية من دون أن تفقد خصوصيتها. فالعلاقة بين الجاز والموسيقى الشرقية ليست، بالنسبة إليه، تركيباً بين نوعين منفصلين من الموسيقى، بل اندماج عضوي داخل موسيقى واحدة، حيث يلتقي البلوز بالحجاز، وتُؤدَّى الإيقاعات الشرقية على آلات غربية. وما يجعل هذا اللقاء بين التراثين الموسيقيين ممكناً ليس الآلة، بل الحسّ الموسيقي للفنان الذي يعيد تشكيلها، لأن «الإنسان الذي يمسك هذه الآلة شرقي»، مثل عبود السعدي الذي يلعب الربع نوتة على البايس. والمفارقة أنّ العمل الطليعي هذا، والذي نرى فيه الفنانين بملابس مستقبلية يتحدّثون عن موسيقى الجاز، هو من إنتاج «النجدة الشعبية» التي تدعم المشروع بوصفه توعويًّا تثقيفيًّا يخرج من أزقة رأس بيروت ليكسر هالة الأسْطَرة المحيطة بالفن وبنبوغ الفنان، وليثقّف الجمهور حول أهمية الإصغاء كممارسة، انطلاقاً من إيمان زياد بأنّ التراث الموسيقي العربي لن يظلّ حياً إلا إذا دخل في حوار مع العالم. يتجاوز البعد الترميمي في «هدوء نسبي» إعادة تعريف العلاقة بين الموسيقى الشرقية والجاز، وإعادة الاعتبار للتراث خارج منطق الأدلجة (الرحبانية)، نحو منطق تجديدي، تواصلي، ينطلق من المعاش ليتّصل مع معاش عالمي آخر، كالجاز. يمتدّ البعد الترميمي إلى آليات توزيع الموسيقى نفسها. وقد التقط عبيدو باشا هذه السمة في قراءته للحفلة حين كتب أنّ «لكلٍّ دوره»، وأنّ العازف هو البطل بقدر ما هي الآلة «الأداة الطبيعية للكلام»، وأنّ زياد، بوصفه «مخرجاً موسيقياً»، ينجح في بناء عمل لا يختفي فيه دورٌ خلف آخر، بل يحتفظ كلّ صوت بمكانه في اللحظة المناسبة. لا يذوب الفرد داخل الجماعة، ولا تهيمن الجماعة على الفرد، إذن، بل ترتكز الجماعة الموسيقية إلى الإصغاء المتبادل، بحيث يكتسب كل صوت معناه من علاقته بالأصوات الأخرى. وإذا كانت أعمال الرحابنة قد سعت إلى تخيّل وحدة وطنية من خلال انسجام المعنى والأصوات الغنائية وخطوات الدبّيكة، فإنّ زياد يقترح نموذجاً آخر للوحدة، يستوعب الاختلاف ويفرّده داخل فضاء مشترك.تتّضح هذه المفارقة في غناء زياد لـ«يلا كشّوا برّا». يحمل صوت زياد الأجشّ ثقلاً فيه شيء من الغضب والتحدّي، عن ذات تستشعر الخطر، وتتوقّع الأذى المتربّص في بيروت الـ1985، وكأنّه يطرد أصواتاً من رأسه لم يعد يتحمّل تشويشها لرؤيته. الكلمات تشي بالارتياب، ومن قلب الارتياب ذاك وبموازاته، تتحرّك الموسيقى في اتجاه آخر يتّسع للمتعة، للّعب، للارتجال، للمبادرة بين العازفين، حيث تصغي كلّ آلة إلى الأخرى، وكلّ موسيقيّ إلى الآخر. ولهذا تبدو الموسيقى في الأغنية، كما في أغنيات أخرى في «هدوء نسبي»، وكأنها تستوعب الذات المرتابة من دون أن تجعل الارتياب مبدأها الناظم.حضر عبيدو باشا حفلة «هدوء نسبي» في الجامعة الأميركية، واختتم مقالته بما بقي معه من الحفلة: «للجميع بهجة المشاركة في حفلة من الجنون الموسيقي، الطالع من وسط جنون الحرب الأهلية، وحروب الزواريب، والحروب الكبيرة والصغيرة في أضيق من فسحة «هدوء نسبي»، على أفق لا تفتحه سوى الموسيقى والأغنية» (السفير 26-01-1985). بهذا المعنى، في أوركسترا زياد نفسها تصوّرٌ لعالم سياسيّ بديل: جماعة تنفر من عنف التجانس وتسعى لتعدّد الأصوات واللهجات واللكنات الموسيقية، تُناوِر مع الاختلاف فتجعله شرطاً لإنتاج موسيقى، أمميّة كما تخيّلها زياد. هنا تتجلّى المساهمة الترميميّة عند زياد الرحباني. فالموسيقى لا تنكر ما تكشفه القراءة البارانوية من انقسامات، وخيبات، وأوهام، بل ترفض أن يكون الكشف هذا نهاية المطاف. فإذا كانت البارانويا قد هدّمت العلاقة بين الذات والعالم، وبين الكلمة ومعناها، وبين الفرد والجماعة، فإنّ زياد سيعيد تخيّل هذه العلاقات، عبر خلق جماعة موسيقية جديدة، عبر فتح التراث الموسيقي على تراث آخر، عبر تنويط الشروخ، وتفريد الآلات، وتمرين جمهوره على الإصغاء إلى الأصوات الجشّة المتجاورة، من دون أن يفقد أيٌّ منها فرادته. وكان زياد يتخيّل كلّ ذلك لحظةَ كانت المدينة قد جنّت، جنّت حقاً.اللازمة الأخيرة: الكلام لتفكيك العالم والموسيقى لبنائه.
5 minutes
À Ceuta, au moins 72 personnes sont mortes en tentant de rejoindre l’enclave espagnole, selon les autorités locales. Entre 50 et 60 000 personnes ayant franchi la frontière ces derniers jours. Face à l’ampleur du drame et aux nombreuses questions encore sans réponse après l'afflux migratoire, l’Association marocaine des droits humains (AMDH) réclame une enquête indépendante et met directement en cause les autorités marocaines. Cette association accuse notamment Rabat d’avoir laissé faire ces départs massifs.
À Ceuta, au moins 72 personnes sont mortes en tentant de rejoindre l’enclave espagnole, selon les autorités locales. Entre 50 et 60 000 personnes ayant franchi la frontière ces derniers jours. Face à l’ampleur du drame et aux nombreuses questions encore sans réponse après l'afflux migratoire, l’Association marocaine des droits humains (AMDH) réclame une enquête indépendante et met directement en cause les autorités marocaines. Cette association accuse notamment Rabat d’avoir laissé faire ces départs massifs.
8 minutes

Las Naciones Unidas reconocen que las dos ciudades del Norte de Africa son plenamente españolas, en tanto Gibraltar esta incluido en los territorios a descolonizar, Marruecos quiere Ceuta y Melilla por "cohesión territorial".

Las Naciones Unidas reconocen que las dos ciudades del Norte de Africa son plenamente españolas, en tanto Gibraltar esta incluido en los territorios a descolonizar, Marruecos quiere Ceuta y Melilla por "cohesión territorial".
12 minutes

القصيدة لَيست بناءً لغويًّا جميلًا فَحَسْب، بل هي أيضًا صرخة في وجه الظلم، ونداء للحرية، ومرآة تعكس آلامَ البشر وآمالهم. والشاعر الحقيقي لا يكتفي بوصف العالَم،بل يسعى إلى تغييره، ويجعل من صوته امتدادًا لأصوات الذين حُرموا من حق الكلام. مِن بين أهم الشعراء الذين حملوا هَمَّ الإنسان، وجعلوا من الشعر رسالةً للتحرر والكرامة والإنسانية، يبرز … ظهرت المقالة صوت المهمشين بين ناظم حكمت وفيض أحمد فيض أولاً على التنويري.

12 minutes
القصيدة لَيست بناءً لغويًّا جميلًا فَحَسْب، بل هي أيضًا صرخة في وجه الظلم، ونداء للحرية، ومرآة تعكس آلامَ البشر وآمالهم. والشاعر الحقيقي لا يكتفي بوصف العالَم،بل يسعى إلى تغييره، ويجعل من صوته امتدادًا لأصوات الذين حُرموا من حق الكلام. مِن بين أهم الشعراء الذين حملوا هَمَّ الإنسان، وجعلوا من الشعر رسالةً للتحرر والكرامة والإنسانية، يبرز … ظهرت المقالة صوت المهمشين بين ناظم حكمت وفيض أحمد فيض أولاً على التنويري.
16 minutes
Neste domingo (2), o Partido dos Trabalhadores (PT) oficializa a candidatura à presidência da República de 2026 da chapa formada pelo presidente Luiz Inácio Lula da Silva (PT) e o vice-presidente Geraldo Alckmin (PSB). A dobradinha repete o cenário vencedor de 2022, quando os dois políticos, que já haviam se confrontado no pleito em anos […] Fonte
Neste domingo (2), o Partido dos Trabalhadores (PT) oficializa a candidatura à presidência da República de 2026 da chapa formada pelo presidente Luiz Inácio Lula da Silva (PT) e o vice-presidente Geraldo Alckmin (PSB). A dobradinha repete o cenário vencedor de 2022, quando os dois políticos, que já haviam se confrontado no pleito em anos […] Fonte
16 minutes
Російські військові регулярно з різних видів озброєння – ударними БпЛА, ракетами, КАБами, РСЗВ – атакують українські міста і цивільну інфраструктуру в усіх регіонах України
Російські військові регулярно з різних видів озброєння – ударними БпЛА, ракетами, КАБами, РСЗВ – атакують українські міста і цивільну інфраструктуру в усіх регіонах України
17 minutes
周六,包括德國總理默茨和意大利總理梅洛尼在內的22位歐盟領導人,批評西班牙總理桑切斯的移民政策損害了歐盟邊境安全。但法國和葡萄牙未在聯署信上簽字。
17 minutes
周六,包括德國總理默茨和意大利總理梅洛尼在內的22位歐盟領導人,批評西班牙總理桑切斯的移民政策損害了歐盟邊境安全。但法國和葡萄牙未在聯署信上簽字。
17 minutes
周六,包括德国总理默茨和意大利总理梅洛尼在内的22位欧盟领导人,批评西班牙总理桑切斯的移民政策损害了欧盟边境安全。但法国和葡萄牙未在联署信上签字。
17 minutes
周六,包括德国总理默茨和意大利总理梅洛尼在内的22位欧盟领导人,批评西班牙总理桑切斯的移民政策损害了欧盟边境安全。但法国和葡萄牙未在联署信上签字。
17 minutes

Nxehtësia ekstreme dhe thatësira që kanë nxitur zjarre shkatërruese në Spanjë dhe Francë janë rezultat i ngrohjes globale, sipas analizës së fundit nga konsorciumi shkencor World Weather Attribution (WWA), transmeton Portalb.mk. Sipas llogaritjeve të ekspertëve, kriza klimatike e ka bërë motin e nxehtë, të thatë dhe me erë të paktën 20 herë më të mundshëm […]

Nxehtësia ekstreme dhe thatësira që kanë nxitur zjarre shkatërruese në Spanjë dhe Francë janë rezultat i ngrohjes globale, sipas analizës së fundit nga konsorciumi shkencor World Weather Attribution (WWA), transmeton Portalb.mk. Sipas llogaritjeve të ekspertëve, kriza klimatike e ka bërë motin e nxehtë, të thatë dhe me erë të paktën 20 herë më të mundshëm […]
18 minutes
دونالد ترامپ، رئیس جمهوری آمریکا، یکشنبه ۱۱ مرداد در شبکه «تروت سوشال» مقالهای با موضوع ایجاد «مراکز رشد» برای مقابله با حملات تروریستی پهپادی را بازنشر کرد.
18 minutes
دونالد ترامپ، رئیس جمهوری آمریکا، یکشنبه ۱۱ مرداد در شبکه «تروت سوشال» مقالهای با موضوع ایجاد «مراکز رشد» برای مقابله با حملات تروریستی پهپادی را بازنشر کرد.
20 minutes
سوپای ئیسرائیل لە درێژەی ئۆپەراسیۆنە سەربازییەکەی لە کەرتی غەززە، دوو ئەندامی باڵای حەماسی کوشتووە. بەپێی ڕاگەیەندراوێکی سوپای ئیسرائیل کە لە تۆڕی کۆمەڵایەتی ئێکس بڵاویکردووەتەوە، سالم جەمال عەبدولڕەحمان ئەبو لەباد، فەرماندەی شانەیەکی هێزەکانی نوخبەی حەماس کوژراوە. سوپای ئیسرائیل دەلیت ئەو کەسە بەشدار بووە لە هێرشەکەی 7ی ئۆکتۆبەردا بۆ سەر ئیسرائیل. هەروەها سوپای ئیسرائیل دەڵێت محەمەد عەبدولناسر محەمەد خەتیب، یەکێک لە فەرماندەکانی باڵی سەربازیی بزووتنەوەی حەماسی کوشتووە. لە...
سوپای ئیسرائیل لە درێژەی ئۆپەراسیۆنە سەربازییەکەی لە کەرتی غەززە، دوو ئەندامی باڵای حەماسی کوشتووە. بەپێی ڕاگەیەندراوێکی سوپای ئیسرائیل کە لە تۆڕی کۆمەڵایەتی ئێکس بڵاویکردووەتەوە، سالم جەمال عەبدولڕەحمان ئەبو لەباد، فەرماندەی شانەیەکی هێزەکانی نوخبەی حەماس کوژراوە. سوپای ئیسرائیل دەلیت ئەو کەسە بەشدار بووە لە هێرشەکەی 7ی ئۆکتۆبەردا بۆ سەر ئیسرائیل. هەروەها سوپای ئیسرائیل دەڵێت محەمەد عەبدولناسر محەمەد خەتیب، یەکێک لە فەرماندەکانی باڵی سەربازیی بزووتنەوەی حەماسی کوشتووە. لە...
20 minutes
Autoritetet ruse thanë të dielën se një mjet i improvizuar shpërtheu në një restorant në qendër të Moskës në mbrëmje, duke vrarë të paktën tre njerëz dhe duke plagosur 21 të tjerë, ndërsa hetuesit po punojnë për të përcaktuar se kush qëndron pas sulmit.
Autoritetet ruse thanë të dielën se një mjet i improvizuar shpërtheu në një restorant në qendër të Moskës në mbrëmje, duke vrarë të paktën tre njerëz dhe duke plagosur 21 të tjerë, ndërsa hetuesit po punojnë për të përcaktuar se kush qëndron pas sulmit.
20 minutes
В ночь на 2 августа Украина атаковала 17-й склад Wildberries, на этот раз в Самарской области, он сгорел. Кроме того, ВСУ нанесли удары по военному аэродрому в Энгельсе и нефтебазе в Саратове. В Саратове и Энгельсе дроны попали в жилые дома, погибли два человека
В ночь на 2 августа Украина атаковала 17-й склад Wildberries, на этот раз в Самарской области, он сгорел. Кроме того, ВСУ нанесли удары по военному аэродрому в Энгельсе и нефтебазе в Саратове. В Саратове и Энгельсе дроны попали в жилые дома, погибли два человека
20 minutes
À l'occasion du Congrès du Parti des travailleurs au Brésil ce dimanche, Lula devrait annoncer sa candidature pour un quatrième mandat, une semaine après celle de Flavio Bolsonaro. Selon la presse brésilienne, la grande annonce, plus festive, devrait intervenir le 16 août. Le président brésilien, 80 ans, est bien placé dans les sondages. Pour en parler, RFI reçoit Hervé Théry, géographe, directeur de recherche émérite au CNRS et professeur à l'université de Sao Paulo. Auteur de Amazone - Un monde en partage, CNRS éditions.
20 minutes
À l'occasion du Congrès du Parti des travailleurs au Brésil ce dimanche, Lula devrait annoncer sa candidature pour un quatrième mandat, une semaine après celle de Flavio Bolsonaro. Selon la presse brésilienne, la grande annonce, plus festive, devrait intervenir le 16 août. Le président brésilien, 80 ans, est bien placé dans les sondages. Pour en parler, RFI reçoit Hervé Théry, géographe, directeur de recherche émérite au CNRS et professeur à l'université de Sao Paulo. Auteur de Amazone - Un monde en partage, CNRS éditions.
21 minutes
Патриарх Кирилл во время своей речи перед верующими в Свято-Троицком Серафимо-Дивеевском женском монастыре в Нижегородской области высказался о создании и предназначении российского ядерного оружия.
Патриарх Кирилл во время своей речи перед верующими в Свято-Троицком Серафимо-Дивеевском женском монастыре в Нижегородской области высказался о создании и предназначении российского ядерного оружия.
22 minutes
Продавцы на российском маркетплейсе Ozon стали замечать массовые заказы на дорогой товар без страховки от неизвестных юридических лиц, сообщают специализированные каналы "Синий рассвет" и "Поставлено!". В комментариях к постам десятки селлеров сообщают о сотнях однотипных поставок. По данным каналов, у таких заказов были общие признаки: высокая цена товара, отсутствие страховки, заказ в том же кластере, где зарегистрирован продавец, и покупатель-юрлицо. Позже "Синий рассвет" опубликовал...
Продавцы на российском маркетплейсе Ozon стали замечать массовые заказы на дорогой товар без страховки от неизвестных юридических лиц, сообщают специализированные каналы "Синий рассвет" и "Поставлено!". В комментариях к постам десятки селлеров сообщают о сотнях однотипных поставок. По данным каналов, у таких заказов были общие признаки: высокая цена товара, отсутствие страховки, заказ в том же кластере, где зарегистрирован продавец, и покупатель-юрлицо. Позже "Синий рассвет" опубликовал...
24 minutes

لا يمكن النظر إلى مشاهد مئات الشباب وهم يتدفقون نحو سبتة، سباحة أو عبر المعابر الحدودية، باعتبارها مجرد محاولة جماعية للهجرة غير النظامية. فمثل هذه الوقائع لا تكتسب أهميتها من عدد المشاركين فيها، بل من الأسئلة التي تثيرها حول طبيعة العلاقة بين الإنسان ووطنه، وبين المواطن والدولة، وبين الحاضر الذي يعيشه والمستقبل الذي يتطلع إليه. … ظهرت المقالة سبتة وما وراء الحدود: الهجرة الجماعية بوصفها أزمة أفق في المجتمع المغاربي أولاً على التنويري.

لا يمكن النظر إلى مشاهد مئات الشباب وهم يتدفقون نحو سبتة، سباحة أو عبر المعابر الحدودية، باعتبارها مجرد محاولة جماعية للهجرة غير النظامية. فمثل هذه الوقائع لا تكتسب أهميتها من عدد المشاركين فيها، بل من الأسئلة التي تثيرها حول طبيعة العلاقة بين الإنسان ووطنه، وبين المواطن والدولة، وبين الحاضر الذي يعيشه والمستقبل الذي يتطلع إليه. … ظهرت المقالة سبتة وما وراء الحدود: الهجرة الجماعية بوصفها أزمة أفق في المجتمع المغاربي أولاً على التنويري.
30 minutes
სამოქალაქო აქტივისტი, თორნიკე თოშხუა თბილისის საქალაქო სასამართლომ ადმინისტრაციულ სამართალდამრღვევად ცნო. მოსამართლე თორნიკე კაპანაძემ მას 5-დღიანი ადმინისტრაციული პატიმრობა შეუფარდა. თორნიკე თოშხუას, რომელიც თბილისის საკრებულოსთან 30 ივლისს მეორედ დააკავეს, ადმინისტრაციული სამართალდარღვევათა კოდექსის 166-ე მუხლს ედავებოდნენ, რაც წვრილმან ხულიგნობას გულისხმობს. თორნიკე თოშხუას აქციაზე “ბიძინა ივანიშვილის მიმართ შეურაცხმყოფელი” ბანერი ეჭირა ხელში. თოშხუა ამავე მიზეზით 26 ივლისსაც დააკავეს....
სამოქალაქო აქტივისტი, თორნიკე თოშხუა თბილისის საქალაქო სასამართლომ ადმინისტრაციულ სამართალდამრღვევად ცნო. მოსამართლე თორნიკე კაპანაძემ მას 5-დღიანი ადმინისტრაციული პატიმრობა შეუფარდა. თორნიკე თოშხუას, რომელიც თბილისის საკრებულოსთან 30 ივლისს მეორედ დააკავეს, ადმინისტრაციული სამართალდარღვევათა კოდექსის 166-ე მუხლს ედავებოდნენ, რაც წვრილმან ხულიგნობას გულისხმობს. თორნიკე თოშხუას აქციაზე “ბიძინა ივანიშვილის მიმართ შეურაცხმყოფელი” ბანერი ეჭირა ხელში. თოშხუა ამავე მიზეზით 26 ივლისსაც დააკავეს....