8 minutes
Fermandarîya Navendî ya Amerîkayê (CENTCOM) li ser X’ê got Îro serê sibê, hêzên Amerîkî yên ku li Rojhilata Navîn cih girtine, du dronên Îranê yên êrîşkar û yekarasteyî xistin xwarê. Li gorî agahdarîyên destpêkê, CENTCOM dide zanîn ku van dronan metirsîyek ji bo tevgera keştiyên navneteweyî li Tengava Hormuzê çêkirine. Fermandarîya hêzên Amerîkî ragihand ku ev operasyon ji bo parastina ewlehîya rêyên deryayî û astengkirina her cure gefên li dijî bazirganîya navneteweyî hate kirin. Di...
Fermandarîya Navendî ya Amerîkayê (CENTCOM) li ser X’ê got Îro serê sibê, hêzên Amerîkî yên ku li Rojhilata Navîn cih girtine, du dronên Îranê yên êrîşkar û yekarasteyî xistin xwarê. Li gorî agahdarîyên destpêkê, CENTCOM dide zanîn ku van dronan metirsîyek ji bo tevgera keştiyên navneteweyî li Tengava Hormuzê çêkirine. Fermandarîya hêzên Amerîkî ragihand ku ev operasyon ji bo parastina ewlehîya rêyên deryayî û astengkirina her cure gefên li dijî bazirganîya navneteweyî hate kirin. Di...
11 minutes
الحبّ ليس شِعرًا ولا موسيقى. الحبّ عطف وحنان وتعلّق— بتصرف عن رواية وفيلم «التدبير»، كتابة وإخراج إيليا كازان.علّمني أستاذ العربيّة في صف السرتفيكا أن أستهلّ موضوعات الإنشاء بوصف الطقس والطبيعة. على نيّته، توكّلت وشرعت، فكتبت:النهار رائق مشرق. أغراني ربيعه. أوهمني أنه سيصحبني إلى آخر المشوار، فإذا بهَبَّات هواء ساخن تلحفني وتلفحني، تلسعني، تحرقني، وتتبخّر صاعدةً إلى السماء مُحيلةً زرقتها غيمًا رماديًا، حجب نورها وقَلبَ آذارها تمّوزًا صبّ جام حرّه عليّ. خدعتني الشمس. أسدرَت بصري، خضّت جسدي وضخّته عرقًا فاض وسال وانثال من مسامّي وتسَبسَب في أطرافي وكامل أعضائي، الحميم منها خصوصًا. أنا المهاجر الهجير في هاجرة المدينة، قطعت المسافة مشيًا من رأس النبع إلى صخرة الروشة. الدكتورالسر خلف النظّارتين (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)عملت بنصيحة طبيب تردّدتُ إلى عيادته منذ حلوله في حارتنا وحتّى تقاعده هَرِمًا فاقدًا الذاكرة والخُـلّان. أتذكّر زيارتي الأخيرة له. حدثت في أمس بعيد. درهم وقاية خير من ألف علاج، قالها كمن اكتشف البارود، ثم وضع سماعته على صدري وأصغى إلى دقات قارع الطبل الصغير القابع وسطًا والمائل يسارًا. مثل رقص الدراويش، استدار ناحية ظهري. استكمل فحص نظام التنفس. ابتسم وطمأنني، المايسترو تمام والفِشّة ألماظ. في لغته، المايسترو قارع الطبل وهو القلب، والفِشّة، جمعها فِشش، وهي الرئة. ختم معاينته بمفردة تركيّة، عفارم، ألحقها بأخرى، صاغ سليم. نبّهني إلى أن المايسترو غدّار. نصح لي بالإكثار من المشي وتخفيف الوزن منعًا لسكتة مباغتة. وللأمانة، ما قال سكتة، بل جرحة، وفق تعريف الذبحة القلبيّة في الألسنيّات البيروتيّة.أنشأ الدكتور سهيل فتحة عيادته في وسط شارع عمر بن الخطاب. استأجرها، عام 1957، بمبلغ معقول قياسًا إلى مساحتها. مئة وثمانون مترًا مربعًا بمئة وعشرين ليرة شهريًا. توفيرًا لمصاريف الإقامة والتنقّل، تحوّلت عيادته مبيته ومنامته. قسّمها إلى شقتين منفصلتين، واحدة للسكن وثانية للاستقبال. عاونته في تنظيم عمله ومواعيده إنعام شبارو، نابت عنه في غيابه وتابعت علاج المرضى في منازلهم عند الحاجة. ممرّضة خبيرة، ضرّابة أبر شاطرة، خفيفة اليد، ناعمة الأنامل، ما من طيز في رأس النبع إلّا ونعمت بشكّة إبرتها. عرفتهم جميعًا من مؤخراتهم، وربّ عملها منهم. رأس النبع عزيزة على قلب الدكتور. سخا بذكر أهلها بالخير. ابنهم البار، عَدّ نفسه، وشملهم بالعطف والرأفة متنازلًا عن أجره في مداواة الفقير. تعلّم من طبيب يهودي تدرّب لديه في باب إدريس مقايضة فاتورة العاجز عن الدفع بثلاث بيضات. ما أندَره. قصدوه على اختلاف علّاتهم ومللهم، دقّ بابه متمارضون تنابل طلبًا لتقارير طبيّة تريحهم من الذهاب إلى العمل وتلزمهم البقاء في الفراش. طبيب شامل، متعدّد الاختصاصات. موجود ومتاح في شتى الأوقات. رخيّ البال، رحب الصدر، سهل المعاشرة ومسهّل الأحوال. «خوش بوش». ما أسرعه في تشخيص الداء ووصف الدواء. ما أحلى الروشتة من يده. كتبها بخطّ بديع. المأثور عن الأطباء أن خطوطهم تشبه خربشة الدجاج. اختلط عليّ جمال خطّه. أثار إعجابي ومخاوفي معًا. لَعِبَ الشيطان بعبّي. شككت في علمه وجدارته. خطر لي أنه ما عرِف قبيلًا من دَبير. «الدكتور سهيل أ. فتحة، طبيب عام»، أورد العبارة في لافتة عيادته وزيَّدها بمعلومة «عضو البورد الأميركي، جامعة فيلادلفيا». أشهد ورأس النبع قاطبة أنه طبيب. ومرخّص. عضويّته في البورد زلّة لسان منحته شرف العضويّة في جامعة فيلادلفيا، كذبة بيضاء مضت على خير، نفد منها بجلده وما أضَرَّ بسمعة الطب. بيت الضيق يسع مئة صديق. والبورد فسيح وكافٍ لضمّه. من حقّ دكتوري العزيز اعتراف العالم الحرّ بفضائله. قضى أربعة وأربعين عامًا في عيادته، محجمًا عن السفر، منكبًا على عمله. نمّى خبرته بتؤدة وطول أناة. برع في تجاوز اختصاصه، الأصح، برع سكّان محلّته في إخراجه عن نطاق اختصاصه. توافدوا إليه بأوجاع الصدر والظهر والمعدة وصداع الشقيقة، والتهابات المرارة والمصران والزائدة والبواصير. إن أخطأ في التشخيص أو أصاب في العلاج، العلم عند ربّه. منعه ضميره من رفض الحالات الطارئة. رجالًا ونساءً، أطفالًا وشبّانًا ومسنّين، استقبل الموجوعين وشفاهم بما قُيّض له من مهارات وعلى ما قُدِّر لهم من أعمار. اعتبر نفسه نبراس الطب. توقّع تكريمه بمقعد في البورد الأميركي. تأخّر التكريم. يئس. أخذ الأمر بيده. كافأ نفسه بنفسه وأحرز عضويّته من دون منّة الولايات المتحدة. كان جلّ غايته من البورد دفع أبناء شارعه إلى رفع ضيمهم عنه. ناكدوه. عيّروه بترعرعه في حارة الغلغول. حرام. اسمه إثمه. هزأوا من اسم عائلته، فتحة. نادوه «ضمّة»، وأحيانًا «كسرة». «أخذ كسرة» على التجريح. سكرتيرته إنعام شاهدة على ما لقيه من جحودهم. بسُط يده بالمعروف إليهم. أطلقوا عليه نعوتًا مهينة، أرحمها «الدكتور غلغول». ظلّ في عرفهم غريبًا. فمن وفد إليهم، ولو جاء من قلب العاصمة، غير مرحَّب به. ميّزوا رأس النبع عن بيروت. وميّزوا أنفسهم عِرقًا صافيًا أبيًّا. تسوّروا في منطقتهم. ما فكّروا في مغادرتها إلّا تمضيةً للعطلة الصيفيّة في «الجَبِلْ» بحسب لكنتهم البيروتية، أو هربًا من نوائب الحرب وضيق ذات اليد إلى المَهَاجر المتاحة في أربع رياح الأرض. عسُر عليهم ترك الدار والديار. الهجرة عُسرة، كدّرت حياتهم. رأس النبع مكرمتهم، أوسع من منطقة، أكبر من بلد. إنها البلاد. غنجوها. تغنّوا بياسمينها وعطر ليلها، وغالوا في حفظها من الدخلاء وزحف الزاحفين. نصبوا أنفسهم، ولاة، سادة، وملّاكين.تسريحة الخد (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)المختارقَصَرتُ عن امتلاك أرض والمناكفة في حصر إرثها في شخص دون آخر. آخر همّي أن أملك أو أتملّك. «الملك لله»، لافتة عُلقت على دكّان اتخذه أبو الروض وابن الجمل، رضوان الجمل، مختار محلتنا، مكتبًا لتخليص معاملات رعيّته. عندما بلغت الخامسة والعشرين فكرت في شراء ڤولكسڤاغن طراز بيتل، الخنفساء. احتجت إلى إفادة سكن ألزمتني الذهاب إليه مرغمًا. لقيته ينظّف أسنانه ويدلّكها بعود المسواك. نهض وشدّ على يدي تاركًا عوده متدليًا من بين أسنانه المسوّسة. حسنًا فعل في إشغال فمه بالمسواك. جنّبني رائحته وقبلته المفعمة بالغازات المتسرّبة من كهف حلقه. أهلًا وسهلًا بالجار، حيّاني، تفضل، أجلس. بادرني بفتح حديث الحي والبيت والجيران. طاولتني غمزة عينه بسؤال عن آل الضنّاوي وأحوالهم. على زعمه، أراد الاطمئنان. سؤاله غير بريء. أراد جسّ نبض قلبي لو تحدثت عن ابنتهم فايزة وغيبتها الأميركيّة. تجاهلتها. همهمت وتلبكت. طمأنته أن الضنّاويين في خير. أشكّ في أنه سمعني جيّدًا. سمع ما أضمره سرًّا. أربكني ابن الذين. بغمزة عين أخرى، أفهمني أنه فهمني. عجّلت بطلب إفادة سكن. ما توانى. باشر في ملء بيانات شهادة السكن. توقف عند اسم المبنى ومالكه ورقم الدَّوْر. خانته ذاكرته. أسعفته: مبنى منير طبش بملكه، الدَّوْر الثالث. أحسنت. كيفك انت ومنير؟حيّدت منير عن السؤال وطرقت صلبه. صارحته أن تملُّكَ بيت في الجنّة أهون من استئجاره في رأس النبع. أستغفر الله، قال، الملك له. ما من مالك يحب المستأجر، أردفت، ولو عرض عليه المستأجر شراء مأجوره، راودته الظنون واختلق أعذارًا تجعل التراجع عن عرضه فضيلة. صاحب الملك غريب. يفكّر في المال والربح، يتأنّى في اختيار المستأجر. وإذا اختار، لا يتحمّل تأجير شقته إلى شخص غريب أو بيعها منه. يكره رؤية اسم غيره على زرّ جرس المنزل. خوفه محيّر. من آخرها، هبّ أبو الروض، مدافعًا عن أبناء جلدته. عزا مخاوف أصحاب الملك البيارتة إلى خشية وقوعهم في أخطاء أسلافهم. باع آباؤهم أراضيهم بتراب المصاري. خذهم بحلمك، قال، وختم كلامه بختم إفادة السكن. وضع المسواك جانبًا. من جاروره، أخرج طابعًا أميريًا، بلّله بلسانه، ألصقه بأسفل الإفادة ومهره بإمضائه.شو جاب الطزّ للمرحبا؟ استهلّ المختار مداخلته بسؤالي عن منير طبش. حدّثته عن رأس النبع. ردّ عليّ ببيروت. كان الدكتور سهيل فتحة بيروتيًا ولم يسلم اسم عائلته من النبذ. جرّسه الدهر وغرّبته رأس النبع. انطبقت غربته على جميل الضنّاوي وكامل زيتون، أبو رامي، أبي. وفدا تباعًا من محلّة قصقص المجاورة وقرية خرطوم، الجنوب. اختلف جميل عن الدكتور بعدم السكوت. وتمتع أبي بهيبة توفرت عليها طبيعة مهنته. استفاد تجّار المنطقة من خبرته في المحاسبة. عمل خارج دوامه الرسمي مدقّقًا في دفاترهم. لقّبوه «الأستاذ». وقّروه، ربمّا مكافأة على أمانته في كتم أرقام ثرواتهم وأسرارهم. لا صاحب لصاحب المال إلّا محاميه وماسك دفاتره، قال أبي. كان جميل أحوج منه إلى استعراض القوّة. أزعر الحيّ، أمجد شبقلو، مرّ بدكانه يومًا وناداه، شو يا قصقص، زجره لاعنًا حلّه ونسبه. لحقت به ابنته فايزة، كائلة الشتائم والصراخ. أرعبت أمجد. طردته من الدكّان.الزفافيزورونني صورًا تمضي في لمحة برق. أعود طفلًا ولدت حكايته قبله. اشتغل والدي محاسبًا في شركات زراعيّة صغيرة. في بواكير الحرب العالميّة الثانية، غادر الجنوب إلى بيروت. عندما سألته لماذا ترك الجنوب، أجاب باقتضاب، إذا شئت المستقبل، ابحث عنه في المدينة. «البنك السوري» أقدم المصارف المحلية، أصدر العملة لسوريا ولبنان منذ تأسيسه عام 1919. مع إعلان دولة لبنان الكبير، عام 1920، وانتهاء امتيازه، عام 1924، تغيّر اسمه إلى «بنك سوريا ولبنان الكبير». وتحوّل، عام 1939، إلى «بنك سوريا ولبنان». التحق أبي بمقرّه الرئيسي في عين المريسة. نال فرصة عمله في سرعة مذهلة. كأن هجرته البيروتيّة فاتحة يُمن وأبواب. بعد ثلاثة أعوام من استئجاره شقّة صغيرة في كرم العريس، وسط حوض الولاية، تحسّن راتبه. تزوّج وانتقل إلى شقّة أوسع في منطقة أفضل. حمل وأمّي عفشهما إلى رأس النبع في أيلول 1942. كنت جنينًا في شهري السادس. وكانت فايزة الضنّاوي طفلةً أنهت حَبْوَها وراحت تمشي. أبوها جميل، كَوّى، وحيد أمّه عتاب الغالي، طلّقها زوجها قبل شهر من ولادته. ربّاه خاله ولقّنه مهنة الغسل والكيّ مبكّرًا في صباه. عند بلوغه العشرين، فاتحته عتاب بالزواج. ابتغت حمايته من الرذائل أولاد الحرام وسوء معشر اللعوبات. تمنّع. وأصرّت. عرفت كيف تليّنه. تمنّت عليه ألّا يكسر خاطرها. بدّك ياني موت وما أفرح فيك، قالت. أطاع. الخطة جاهزة. طبختها جيّدًا في رأسها. شاءت لابنها عروسًا جميلة، أكبر منه ولو بسنة أو اثنتين. فارق السنّ، مهما كان قليلًا، مهمّ في رأيها الغريب العجيب. كلّما كبرت المرأة، ارتقت أمومةً. وكلما صغرت، أغواها الغنج والتبرّج والتطلّب وتدلّه زوجها في التعلق. فتشت رأس النبع حارة حارة، التقت فتيات تحت النصيب، ولا واحدة منهن استوفت معاييرها. تدخلت زوجة أخيها، رجاء السردوك، عرّفتها إلى جارتها دنياز وابنتها ألحان. دنياز قره شاي، شركسيّة الأصل، من بلدة بئر العجم في الجنوب السوري. عام 1923، أتمّت الخامسة عشرة. تزوجها اللبناني كريم جنيناتي، صاحب معمل حديد في بيروت. غداة عرسهما، غادرت سوريا للعيش مع كريم في المنزل الموروث تباعًا من جدّه وأبيه في كركول الدروز، بيروت. قلّت زياراتها لأهلها في غضون الحرب العالميّة الثانية، وتقلصت بعد الحرب إلى مناسبات معظمها واجبات عزاء وحفلات أفراح. انشغلت بالإنجاب وتربية الأولاد. زارتها القابلة وداد المعلم ثماني مرات، أثمرت خمسة صبيان وثلاث بنات، أوسطهن وأحلاهن ألحان، ثلاثة وعشرون عامًا. عروس حفر وتنزيل. براڤو عتاب. صَبَرَت فنالت. أصابت عصفورين بحجر. فتاة مليحة، أكبر من ابنها بعامين. ضربت الحديد حاميًا. طُلبت يد ألحان مساء خميس من خريف 1938. وفي ليلة الجمعة، من الأسبوع التالي، قُرئت الفاتحة وخُطِبت إلى جميل. كان في ودّ أم جميل حرق المراحل وكَتْب الكتاب يوم الخطبة. آثرت دنياز إعطاء الوَلديْن مهلة للتعارف أكثر ولدراسة أخلاق بعضهما بعضًا. الزواج مسؤوليّة. والخطبة فرصة مفتوحة للتراجع. لم يتراجع أحد. قرّبت الزيجة المدبّرة الأفئدة وعزّزت الأواصر. تعدّلت الروزنامة. قُدِّم موعد العرس من أواخر صيف 1939 إلى أوّله. تكرّم أحمد الغالي واستأجر على نفقته قاعة حفلات تابعة لجمعيّة مكارم الأخلاق الخيريّة الإسلاميّة. تأهل الخطيبان برضا الوالدين وربّ العالمين وشفاعة الرسول وآل بيته أجمعين. رُشَّ العروسان بماء الزهر. نُثر القرنفل بلونَيْه الأبيض والأرجواني. وعلى فَيْح القاعة وزحمة الأنفاس، تطيبت روائح العرق السائل من مزاريب الآباط والأعناق وموازيب الصدور بمرطبات الأجساد وعبير كولونيا عماطوري 114، فخر الصناعة الوطنيّة لصاحبها ومخترعها جوزف عماطوري، شيخ العطّارين في سن الفيل وعموم بلاد الأرز.في لحظةٍ ما (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)تحلّق الحفل حول طاولة عَمَرَت بقالب كاتو من ستّ طبقات امتدّت حولها أطباق المفتَّقَة المزيّنة بالصنوبر، وأقراص معمول الجوز والتمر والفستق، وكاسات المهلبيّة والقشطليّة والرز بحليب الـمُطعّم بمسك الغزال، وأباريق شراب الورد والبرتقال، والليموناضة مصحوبةً بالكعك القرشللي ومعزّزة بمكعبات الثلج. خلت السهرة من الموسيقى. تحفّظت نساء عن المشاركة في الأهازيج. مكثنَ في كراسيهنّ جالساتٍ الساق على الساق والمناشف تستر المكشوف فوق رُكَبهنّ. على قدم وساق، زغرد المدعوّون. شبّانًا وفتيات، أطفالًا ورجالًا رقصوا وغنّوا وعزفوا بضرب الأكفّ، أكاپيلا لو كنتم تعلمون.بلا طبل ولا زمر، زُفّت ألحان إلى بيت حماتها في محلّة قصقص، حيث ولد جميل ورَبِـيَ وشبَّ وقوِيَ عوده. قبل يوم من عرس ابنها، اتصلت بخادمة منزليّة تدعى ثَبَات، كرديّة يهوديّة سوريّة وتعمل بالساعة. طلبت منها مساعدتها في تجهيز البيت لاستقبال نجلها وعروسه. لعتاب معزّة خاصّة عندها. تلبية لطلبها، ألغت موعديَن مسبقيَن وانكبّت ملء القلب والنهار على تنظيف البيت. فرشًا وأثاثًا، رتّبته. شطفت الأرضيّات، فركت البلاط فركًا، حملت السجاجيد والبُسُط إلى الشرفة، نفضتها ضربًا بالمطرقة. عقّمت أسطح المطبخ. جلت الصحون والطناجر، الأواني وأدوات الأكل والشرب. نقعت الملابس المتسخة والنظيفة على السواء. غسلتها دعكًا باليد، جفّفتها ونشرتها على الحبل. رفرفت. عن بكرة أبيه، طُهِّر الحمام. أزيلت القاذورات الصغيرة المترسّبة في بالوعة حوض الاستحمام ومصفاة المغسلة. اقتُلع الشعر العالق في الليف. غُيِّرت المناشف. واستُبدل صابون الغار البلدي، «ص. ع»، بالبريطاني الأحمر، «لايف بوي». بورق الجرائد، نُظِّف الزجاج ولُمّعت المرايا. برق البيت برقًا. رضيت عتاب عن عمل ثَبَات. تركتها تستريح. وانفردت بغرفة نوم ابنها. أولت سريره عناية فائقة. استعانت بالمنجّد فخري الكوش في تبطين فراشه وحشو وسائده بالريش. غطّته بمُلاءة ولحاف وشرشف مزركش بنقوش دائريّة متماثلة يتوسطها رسمٌ متكرّر لوردة حمراء. وجاء كهربائي الحيّ، المعلّم يوسف التنّير، وفي يده مروحة بأربع شفرات أوصته بابتياعها من محل صهره عدنان بلّوز، ثبّتها في السقف وشغلّها. دارت أمام عينيها. اطمأنّت. زادها فضلًا بتركيب لمبةٍ نوّاصة مجانًا فوق باب الغرفة من الخارج. وأنهت لمساتها الإبداعيّة بملء خزانة ابنها بقمصان وسراويل داخليّة جديدة، اشترتها من سوق سرسق وأكثرت منها إكثارًا من فرحها بليلة دُخلته وشهر عسله. عشيّة زفافه، ارتأت إخلاء البيت موقتًا. اتفقت وشقيقها أحمد على قضاء شهر في داره. وما كادت تقفل الباب حتّى تذكّرت أمرًا أعادها وخادمتها إلى غرفة النوم. بخّرت السرير بعطر العود، شمّته بنفس عميق حملها إلى رائحة الجنّة، وأذهَبَ عنها غصّة فراقها عن ابنٍ وهبتْه بيدها إلى امرأة أخرى.السوتيانبعد عام على زواجهما، استقبل جميل وألحان مولودهما البكر. أنثى. أخرجتها القابلة وداد برفق شديد في حضور والديْها وجدّتيها. تحاملت ألحان على ألمها وقبّلتها. حملها جميل، هدهدها، مرّرها إلى دنياز وتلقّفتها عتاب حاضنةً، هامسةً، مؤذّنةً، مُكّبِرةً في أذنها اليمنى، الله أكبر، الله أكبر. ولـمّا انفردت بابنها، سألته ماذا نوى أن يسمّيها. التمس تبريكها باسمها. تطيّرت. أحست بدنوّ أجلها. الاسم كالإرث، يؤخذ من الميت ولا يعطيه الحيّ. احترم جميل شعورها. ترك لها تسمية طفلته. قلّبت أفكارها وتمهّلت في الردّ حتى خرج الدخان الأبيض من فمها. فايزة، قالت، على اسم أمّي المرحومة. غصّ بيت الضنّاوي بالمهنّئين بولادتها. جيران وأقارب وأحبّة، تقاطروا. أكلوا المغلي مكلّلًا باللوز والفستق ودقيق جوز الهند. وفي شهرها التاسع، احتفلوا ببروز أسنانها اللبنيّة. سُلِق القمح ومُزِجَ بالسكّر وماء الورد، ذُرَّ عليه حبّ الرمّان والصنوبر والذرة، حلوى خاصّة بالمناسبة، «سنينيّة»، تدعى أيضًا «قمحيّة». حضر المهنِّئون أنفسهم باستثناء الحاج رشيد قنطار، مختار محلّة قصقص، وافته المنيّة في قيلولته قبل أسبوع. أكلوا عن روحه وواصلوا الإجهاز على السنينيّة. الأطفال مساكين. إذ نفرح بهم، يبكون. بين ولادتها وتسنّنها، توجّعت فايزة. أفصحت عن ألمها بالبكاء. لسانها دمعها. في المناسبتين، ذهبت الحلوى من نصيب المهنئين. فما أكلت المغلي ولا ذاقت طعم السنينيّة.تمنّى جميل أن يُطعَمَ بصبيّ. مَنَّ عليه المنّان ببنت واستقبلها شاكرًا. أنشأته عتاب تنشئة طوّعته بالصبر والتقوى والقبول بالمكتوب. كل شي من الله حلو. وكانت حلوة. غمّدها برغبة أمّه وذكرى جدّته وسمّاها فايزة. غمرها بدلاله. بعد نهاية الحرب العالميّة الثانية وخروج أميركا إلى العالم، ألحقها بمدرسة تعلّم اللغة الإنكليزيّة، ليس إيمانًا بمستقبل الإنكليزيّة وإنّما إعجابًا بالسينما الأميركيّة وأفلام رعاة البقر. كبرت نُصبَ عينيه. لم يثنِه تسليمه بمشيئة ربّه من تربيتها بمزاجه. ألبسها البنطلون وربطة العنق وقبّعة الكاوبوي. أحبّ شعرها قصيرًا. قصّه كلما طال. اكتشفت فايزة أنوثتها متأخرة في سنّها الثامنة. أرادها جميل على شكل صبيّ تمنّاه وافتقده. وعلى صورته، حقّاوية، لا تسكت عن باطل. وحين شفي غليله وأنجب وليّ عهد ذكرًا، سمّاه أحمد تيمّنًا بخاله، ثابر على التحكّم في مظهرها. انتبهت ألحان. كفّت يده. تركته ينشغل بالصبي وتفرّغت للبنت. ألبستها الفساتين والتنانير والقمصان الحاسرة عن النحر والذراعين. زيّنت أذنيها وجيدها الطويل ومعصمَيْها الأملسَيْن بالقبّعات وأقراط الحلق والقلادات والأساور. نسيت فايزة زيّ راعي البقر. أبهجها الماكياج ولبس النساء. روّحت عن نفسها ولاطفت مزاجها وراوغت حزنها بالتبرّج وارتداء الملابس. لَبِقَت في اختيار ألوان الثياب. نمّت إحساسها بجسدها. ولـمّا طال شعرها وسدل، استحلت تسريحه وتفريقه وعقد جدائله وإسقاط خصلة منه فوق عينها اليسرى وملاءمته بالقبعات. تفنّنتْ في صبغه وعشقتْ شمّ رائحته. عند ولادتها، كان لونه قمحيًّا. مع الوقت، صار كستنائيًّا على أشقر خفيّ أخّاذ. وتمازج الأخضر والأصفر حول بؤبؤ العين. تلوّنت بلمحات من جمال جدّتها دنياز وملمحها الشركسيّ. نقلت ألحان إلى ابنتها ما تعلمته من أمها، ألّا تخجل من رؤية جسدها في المرآة. فما استحت. بلى. عندما كعب ثدياها، تعرّفت إلى السوتيان. ارتدته. احمرّ وجهها. أطلقت ضحكة حييّة، خفتت وتلاشت. هالها أن تراهما صغيرين. حتّى سنّ العشرين، راقبت نموّهما. ما سَرَّها ما رأته. لن يكبرا، ظنّت. جرّبت سوتيانات من شتّى الأصناف والألوان، علّ طرازًا أو لونًا أو قياسًا معيّنًا يُفسِح بروزهما بما يتناسب وعمرها. ظلّا صغيرَيْن، عَيْبَيْن كبيرين جاثمين على صدرها، تسترهما سوتيان. كرهت حمّالات الصدور ورافعات النهود. تركت نهدَيْها يُفلتان من السوتيان رخيين يسرحان ويتمايلان جذلين، ينزّان عرقًا تمتصّه كنزة شَفَّت بهما واهتزّت بحلمتيهما اللاهيَتين نكزًا ونقرًا، يَمنةً ويَسرةً. ما نفع السوتيان بلا نهدين؟ سألتني. بل أخجلتني. وأرعشتني. نجمي خفيف. يأخذني الناس على بساطتي. مهما قالوا وسألوا، لا أردّهم خائبين. أوافق وأصدّق. نعم، صدّقتها، لا سوتيان بلا نهدين. عام 1923، خلعت المصريّة هدى شعراوي الحجاب وأثارت عاصفة في العالم العربي. وفي عامها السادس عشر، خمسينات القرن العشرين، خلعت فايزة جميل الضنّاوي السوتيان ومرّ الحدث مرور الكرام في رأس النبع وعموم بيروت. انحصر في تلصّص أصحاب العيون البيضاء على قمصانها الشفّافة. انهالت عليهم سبابًا ولعنات. زعران، أولاد حرام، بلا مربى. طأطأت رؤوسهم بالعار. على منوالهم، تلصّصتُ. استثنتني من الشتائم. كانت تعلم أن قصدي شريف. ولغاية في نفس يعقوب، حرّضتني على اختلاس النظر. ضبطتني مرارًا بالجرم المشهود. وما اكترثت. انتظرت منّي أن أفكّ عقدة لساني وأفصح عن وطري. ولـمّا أفصحت، تمنّعت. لم تُرِني نهديها. رأيتهما عاريَيْن في أفلامها بعد سنين من فرارها إلى نيويورك. لا تسألوني عن رأيي. شهادتي فيهما مجروحة جرحَ قلبي على ما كان ملمس أمل وغدا ملمس ألم. اللمس نعمة، حاجة أكثر منه حاسّة. يمكن تصوّر حياةٍ بلا جنس، ويستحيل تصوّر حياة بلا لمس. حين لـمـسَت نهديها ورأتهما صغيرين في المرآة، بدأت حياتها تتغيّر. بين خلع الحجاب في مصر والسوتيان في رأس النبع، عرفت الحريّة سبيلها. انطلقت من الرأس واستقرت في القلب. الحجاب وشاح العقل. والسوتيان لذّة العين ورفيق الجسد. أدّى خلع الحجاب إلى تحرّر العقل. وأسفر خلع السوتيان عن تحرّر الجسد. نزع السوتيان أمضى من نزع الحجاب. وفي حين خرجت هدى شعراوي إلى العلن والإعلام وأعلنتها ثورةً على المجتمع، استفردت فايزة الضناوي بالمرآة وأخمدت ثورتها في جسدها. تصالحت معه. لم تعد تخجل من نهدَيْها. أطلقتْهما وانطلقت. آمنت بالمرآة، بالصورة، صُورتها. آمين.«الصوّارة»غفُل عنها أنها والصورة توأمان. ولدا معًا. ما من شيء ألهاها عن البكاء في طفولتها غير الانبهار بفلاش الكاميرا وسماع تكّتها تؤطّرها في لقطة. أرتْني صُورًا في أعمار متفاوتة سرقتها من أهلها وخبّأتها في علبة بسكويت معدنيّة. أخبرتني قصّة كل صورة في وقتها وزمانها وكأنها حلقة مستقلة من مسلسل فصليّ، سبقت عرض فيلم طويل على الشاشة. تراوَيْنا بالصور. أخذتُ عنها أسلوبها في السرد، المستلهم، ربّما، من رواحنا المعتاد إلى سينما كريستال ومتابعتنا الدؤوبة لمسلسل «فلاش غوردون». روت الأشياء كما رأتها، ورويتُها متصرِّفًا في وقائعها. أعجبتُها في تخيُّل الأشياء على غير حقيقتها. جاملتني بخيالي. وعيناها الخيال كله. منهما ارتويت ورَوَيْت ما طاب من حكايات وأحلام. الحلم أحلى من الخيال. وحلمها الأوحد، كان، أن تصبح نجمة الشاشة والجماهير، قوت قلب المتيّم ونور عتمته في ليالي أرقه.ملصق «جوني غيتار» (1954) (الصورة: أرشيف محمد سويد)آه من السينما. كانت البطاقات البريديّة المرسومة والملوّنة باليد، أو المنسوخة عن صور نجوم الفن وملصقات الأفلام تجارة مزدهرة في أيّامنا، حفلت بها واجهات المكتبات الشعبيّة وبسطات الصحف والمجلّات. تَنزَّهْنا يومًا في ساحة البرج. مررْنا أمام مكتبة صغيرة، على رصيفها بسطة مفروشة بالكتب المستعملة والبطاقات البريديّة وأعداد قديمة من المجلات الفنيّة. استمهلتني قليلًا للمشاهدة. انتقت بطاقة لملصق فيلم «جوني غيتار»، احتلت بطلته جوان كراوفورد الحيّز الأكبر منه. أخرج نيكولاس راي الفيلم، عام 1954، وحقّق سبقًا في تحويل الكاوبوي من رجل مُعتدّ بذكورته إلى امرأة لا تقلّ إقدامًا وتصميمًا في استعمال السلاح دفاعًا عن نفسها وحقّها. شاهدنا الفيلم، عام إنتاجه وعرضه الأول، في سينما روكسي. وأنا أُلملم ذكرياتنا المشتّتة بين الشوارع والساحات والأزقّة، خلتُ أنّ انتقاءها ملصق «جوني غيتار» جاء من انتحالها زيّ الكاوبوي وعطفها عليه في طفولتها. لكن، لا. انتقت الصورة لأنها صورة جوان كراوفورد. سأكون مثلها، قالت لي، وستسمع الكثير عنّي. انتهزت انشغال البائع مع زبون. لم تُعد الصورة إلى مكانها. لطشتْها. هرولنا لاهثين إلى حصننا ومهبطنا ومربطنا، رأس النبع. آفتُها نشل الصور. استهلّتها بسرقة ألبوم عائلتها. اكتفت بصورها وكفأت عن غيرها. لم تسرقها من قبيل الهواية أو المرض. أرادت الخروج من الألبوم لا غير. يحسب الناس أن الألبوم حاضن الذاكرة. لا. الألبوم حافظ النسيان. انتزعتْ منه صورًا وأزمانًا نشِيَت من خمرة جمالها وتعْتعَها سُكْر مفاتنها. أتقنت ما يسمّيه العاملون في السينما «سرقة الكاميرا»، تشبّهًا بممثّلة محترفة تشذّ عن مجرى التصوير والأداء بحركات وتعابير تخطف نظر الـمُتفرّج ناحيتها وتصرف انتباهه عن شركائها في المشهد، تصرّفٌ فيه من الخُيَلاء ما يداعب غرور نجمة شمّاء لا ترخو الشاشة لأحد سواها. حبّ الصورة من حبّ النفس. لا شريك بينهما. وَحُودَة، بدت. أكانت خلف الكاميرا أم قبالتها، أحبّت أن تصوّرني لا أن أتصوّر معها، أن تريني صوري وتنتشها منّي فورًا. حفظتها في مغلّف أسمر علّمته «أبو الريم»، اختصارًا لاسمي. غداة فوزها بالبريڤيه، أوفى أبوها وعده. مع قبلتين مرصّعتين على الخدّين، أهداها كاميرا، ماركة لايكا، سليلة الرايخ الثالث الـمُنحَلّ. من دون قُبَل، دلّلتني بالصور. أمرتني مرارًا بالسكون والسكوت وقطع النَفَس. وعلى الدوام، انتصبت جثّةً هامدة تُقاوم الدفن بصمودها ثابتة على قدميها. اللقطة برهة بصريّة معلّقة على الرمق الأخير. أسلمتُ روحي إليها راضيًا مرْضيًّا مَرَضيًّا. طاوعت قلبي ممتثلًا لأمرها وإشارة سيدتها الألمانية لايكا. فاضت روحي مع تصوير كلّ لقطة. باحتساب مجموع اللقطات، زفرت أنفاسي ميتات جمّة. لا يحقّ للإنسان بالموت إلّا مرة واحدة. مع بنت الضنّاوي، متُّ مرّات بعدستها. ينزعج الموت من استدعائه لضرورة التصوير في زيارة موقّتة يرجع على أثرها بخِفَّيْ حنين. ليس من خصاله التزاور مع ضحاياه بين آن وآخر. الإتيان به عنوةً إلى موقع التصوير غير قابل للهضم. من تجربتي الشخصيّة، استوعبتُ تبرّم الموت من الصورة وتذمّره من لبوسي هيئة ميت لم تحن ساعته بعد. الساعة شأنه. يأتي ويختفي بإرادته. يغضبه استدعاؤه للحلول كومبارسًا محجوبًا عن النظر في لقطة فوتوغرافيّة. غضبه غير ناجم عن استتاره في اللقطة أو عدم استئثاره بها. حبّ الظهور ليس شيمته. التواري والصمت سمتاه، سببان كافيان لمناوأة الكاميرا ومناوشة مَنْ لفّ لفّها. خاصمها في جميع أنواعها، صامتةً وناطقةً، جامدةً ومتحرّكةً. قبل اختراعها، درج الموت على استهداف الأجسام الحيّة. صدمته الكاميرا. طبيعتها من صلبه، جسمٌ ميت، معمول من معدن ومواد جامدة. أعماه الحقد من استيطاء قَدْرِه ومخالفة شرعه. الموت يُفني الحياة وينفيها عَدَمًا، والكاميرا تصونها عَمْدًا. الموت أرعن. تستضعفه الكاميرا وتجرجره في نذالته. يستجيب. رغبته فيها قاتلة، تنهشه الغيرة، تستنزفه التوافه إلى حدّ نكران ذاته وسلطانه. وضيع. فَاتَهُ أنه قابض الأرواح والغالب القهّار القدير على تصفية خصمه في كَسْرٍ من الثانية. آثر محاكاة البشر في الحسد والكراهيّة. مُقتُه للصورة عجيب واشتباهه في أنّ الحياة تستمر بها أعجب. فما الصورة إلّا موتٌ في حياة. وما حياتي إلّا حيائي. نعم. خجلت من مصارحة حبيبة شبابي الآفل أن لا طائل من إهدار الوقت والأعصاب في تصويري وقطع أنفاسي. جعلتني مخلوقًا من سليلويد، صوّرتني، حمّضتني وطبعتني، حوّلتني تذكارًا من كرتون، ميتًا ينتظر تصبيره في مغلّف أسمر. ما حاجتها إلى كاميرا. عينها كاميرا بؤبؤها بؤرة عدستها، وأنا مأسورها. من صميم عاطفتي الجيّاشة، وبعيدًا من التجرّد، حاكت تعريبًا محدثًا للكاميرا، قرأته في معجم المعاني، «الصوّارة»، كلمة توحّد الكاميرا والصورة وتزيل الفاصل بينهما. فعلًا، لماذا استعملت كاميرا و«أبو الريم» لقطة تجمد في رمشة من عينها وصورة تتحرّك بشَرَر نورها. وسيط المرأة والمرآة، أنا. بين الكلمتين، عشت نعيم الألف المهموزة بعينها والألف الممدودة بلحن النظر إليها، امرأتي، مرآتي، صوّارتي.كامل الأناقة (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)الكوّىفي محلّة قصقص، تفتحت حواسها على شجر الصنوبر ورائحته وتغريد العصافير. سُمّيت المحلّة حرج بيروت. لا حرج. سبحان الخالق، قال جميل كلّما أمتعته خضرة المنظر والحشائش النابتة في ثنايا الأرصفة والجدران الرمليّة. حمد ربّه دومًا على نعمته، عالـمًا أن الحمد والشكر لن يجدياه نفعًا. عليه خفض مصاريفه وتنقّلاته، والاستقلال عن خاله. ولئن أراحه السكن في قصقص، رآها مغلقة على المصالح الصغيرة، متخمة بها ولا تحتمل المزاحمة بمشاريع جديدة. بحث عن منطقة أخرى. فتنته رأس النبع، أرضٌ بكر، موفورة المساحات، قيد الازدهار. اختار شارع الحاراتي عنوان عمله وحيّ محيو، المجاور، محل سكنه.شارع محيو (الصورة: محمد سويد)أنشأ مصبغة عصريّة في نوعها. استفاد من غزو الغسالات الآليّة البيوت وأسواق العالم. تابع أخبارها منذ انتشار ماركتها الأميركيّة الرائدة «بنديكس»، عام 1937، وذيوع «لاوندرومات» اسمًا جديدًا للمصابغ. استثمر مدّخراته من عمله في مصبغة خاله ونقوط عرسه وتحويشة أمه من مصوغاتها، واشترى ستّ غسّالات كبيرة الحجم من وكيل «بنديكس» في جادّة الإفرنسيين، صفّها جنبًا إلى جنب في مصبغته وقسّم وظائفها وفقًا لنوع القماش ولونه. أنفق ثروته على مشروع عمره. استكمالًا لتحضيرات الافتتاح الكبير، استعان بالخطّاط وليد بخاري. طلب منه رسم غسّالة فوّارة بالبخار، تحوطها من اليمين واليسار، وعلى شكل قوس قزح، جملة مركّبة من كلمتين عربيّة وإنكليزيّة، «جميل Laundromat». أبدع البخاري في تصميم آرمة خلبت الألباب. الفضل لجميل وفكرته في دمج اللغتين. أدخل الإنكليزيّة، رغمًا عنها، إلى شارع الحاراتي والأحياء المجاورة عبر اللافتات ويافطات الإعلانات التجاريّة. منذ تعليق لافتة المصبغة، أتت المغامرة أُكلها. نجح ابن الضناوي وكسب الرهان في جذب أنظار المارّة إلى دلوعته «بنديكس». ومن الاستمتاع بمهارته في الكيّ وتعامله برفق مع الأقمشة الحساسة، ازداد زبائنه عددًا. قليلًا ما جلس لتناول الغداء أو لزيارة غير متوقعة من أحد معارفه أو لجمع الفواتير واحتساب غلّته في آخر الدوام. تطلّب عمله الوقوف معظم الوقت. على مرّ الزمن، انتهكته آلام الڤاريز. تحمّل التعب مسرورًا وغيورًا على مصلحته. لم يسأم من فتح دكّانه وغلقه، يوميًا وطوال السنة، بين الثامنة صباحًا والسابعة مساءً. وبالوتيرة نفسها، التزم ارتداء قميص وبنطلون أبيضَيْن، بدا من دونهما رجلًا آخر غريبًا خارج ساعات الخدمة. من المحتمل جدًّا أنه اختار اللون الأبيض رمزًا للطهارة. بعد غسل الثوب وتنشيفه، استلطف جميل نقله إلى طاولة الكيّ وطرح قطعة الشاش فوقها ورشّها بالماء وإمرار المكواة بيد متمرّسة لا تقسو، ولا ترخو، تغازل الثوب على موجات متفاوتة من الحرارة، تحمى، تفتر، تبرد، وإذ تلمس سخونة المكواة ماء الشاش، يهبّ البخار ربّما تنفيسًا عن رغبة حارقة. ما بدا غزلًا انتهى ترويضًا للأحاسيس. البخار كُوّة اللذّة ومسربها. في ذروة أدائه، ترشح مسام الكوّى عرقًا سيّالًا يضطره في أشهر الصيف إلى خلع السترة ومواصلة العمل بالقميص الداخلي. كان جميل يأنف من كشف كثاثة الشعر في صدره وكتفيه. حافظ على أناقة مظهره بالبدلة البيضاء. ملبسه حشمته، جسده شرفه ولا عيب لأنه عرق الجبين والعيش الكريم. أمسك المكواة بيمناه، وحمل فوطة بيسراه مسح بها عرقه، دواليَك، دواليك. أجمل ما في عمله صبره وشغفه. وأروع ما في مصبغته هبّة البخار بضربة ملساء من مكواته. سحرني البخار المتصاعد خيوطًا التفّت حول بعضها بعضًا وتراقصت كأشباح غلبها الشوق إلى دنياها. الرداء المفرود والممدود على طاولة الكيّ ميتٌ، فاضت روحه فيضَ البخار الهائم في غيمة أشباحه. عندما أموت، لا أريد أن أُرمَى عاريًا مكفَّنًا في جورة وأُترَك للتحلُّل بالتراب والحشرات. لا أريد أن ألقى تحت الأرض. أحب أن أطير، أن أتبخّر.وجهان (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)كأنّها كأنّيأزكى الروائح إليّ رائحة البخار. أتحسّسها طعمًا ونكهةً. طبعت المصبغة ذاكرتي. أتذكر جميل وأستعيده في رائحة بخاره. أتذكره واقفًا على طاولة الكيّ، وأنسى ما إذا قعد مرّةً على كرسي. سورة الكرسي وحدها لفتتني معلّقةً فوق صف غسّالات «بنديكس»، وبجانبها لوحة زجاجيّة برونزيّة الإطار كُتِب عليها «يا باسط الأرزاق». ورُزق جميل بصبيَّيْن، أحمد ويزن، تبعا أختهما بعامَيْن وبفارق عامَيْن بينهما. أيضًا، كانت فايزة أسنَّ وأقدم عهدًا مني في الحيّ بعامين. ولدت في 14 كانون الثاني 1940. احتفالًا بعيدها الأول، زامن أبوها افتتاح مصبغته باليوم نفسه من عام 1941. فايزة والمصبغة محظوظتان. يوما ميلادهما معروفان، بينما يوم ميلادي مجهول. سقط من بطاقة هويّتي وحُصر تاريخه في عام 1942. طلع عليّ النور في حيّ محيو. وحيد أمي وأبي، كنت. يَتّمَني رحيلهما في كبري. يشقّ عليّ فراقهما بعد مناهزتي الثالثة والثمانين. حياة الإنسان ليست محدّدة بسنة ولادته بل بيومها في السنة. من دونه، يصعب تفريق بداية السنة الجديدة عن نهاية السنة الفائتة. أعفاني تغييب اليوم عن بطاقة هويّتي من الاحتفال السنويّ بعيد ميلادي في وقت معيّن. استحسنت إرجاءَه إلى آخر السنة طمعًا في أيام زائدة تؤخر انتقالي إلى عام جديد. لا أعرف عن عائلتي الكثير. كان أبي نزورًا في الكلام عنها. معرفتي بآل الضنّاوي أفضل. روت لي فايزة حكاية عائلتها ومنحتني حريّة التصرّف في كتابتها أو اقتباسها فيلمًا. علّقت آمالًا على شحذها بخيالي. الخيال يجلو غبار الواقع، يجمّله، يعظّمه، يحيله أسطورة، تمامًا مثل تحويل السينما القصص الصغيرة صورًا عملاقة على الشاشة.حيرة الأسود والأبيض (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)ألقت على كاهلي مهمّة عسيرة، أن أحوّل خيالي موهبةً في الإخراج السينمائي. من أين يأتي ابن رأس النبع بقدرة بني هوليوود في إنتاج الأساطير. لا مبرّر لخوضي في حكاية عائلتها طالما عشت حكايتها حيّةً، وجهًا لوجه. الفيلم في مكان آخر وبلا أساطير خلا أعاصير العشق. أحببتها قَدْر ما أَحبَّها أبوها وأكثر. أقول أكثر لأنّ أباها أرادها على صورته مثلما تماهى الله في خلقه. بينما أنا، وفي كل آن، تماهيت في صورتها، «كأنّي كأنها»، وضعتُ العبارة الأخيرة بين قوسَيْن لئلا أُتّهَم بنحلها من «أحبّه كثيرًا»، أغنيةٌ كتبها فتحي سعيد ولحّنها محمد سلطان وغنّتها فايزة أحمد قبل نيّف وستين عامًا. اقتنيتُها في مختلف تسجيلاتها من عهودي المتتالية بالأسطوانات، مقاس 33 و45 لفّة، والبكرة الممغنطة بسرعة ½7 بوصة في الثانية، والكارتريدج، والكاسيت، والقرص المدمج، إلى روابط الإنترنت وتطبيقات الهاتف الخلويّ. ظلّ الراديو وسيلتي المفضّلة لسماعها. جننت بها. رافقتني في شبابي وكهولتي. تغيب لتعود وتشعل الوجد في رمادي،أحبّه كثيرًا. أكاد من جنوني إليه أن أطير. وأنشر الجناح،أسابق الرياح،أعانق الهواء،والصبح والمساء.وأعبر الجسور،والنهر والبحور،شوقًا إلى حبيب،أحبه كثيرًا.أحبه لأني كأنه كأنيأصبحت في هواهمنه وصار مني.أغنية تنكأ الجرح والمجروح. سمعتها أمس في سيّارة أجرة. وعلى الأثر، جعلتُ فايزة أحمد نسختي البديلة من فايزة الضناوي، صورتها الصوتيّة، تسمعني ما لم أسمعه منها. ما كان مسّها ضرر لو قالت أحبك، أو لو خاطبتني بصيغة الغائب، أحبّه. أكانت أحبّتني أم أحبّت غيري، لن تأكلني الغيْرة. سأبقى الغائب. غيبتي سرّي وطول انتظاري. على حلو الغيبة ومرّها وعمرها، أمسيت ثالث عشر الأئمة، مَهديَّ العاشق والمشتاق، لا أهتدي إلى غير الزمان العالق في أهداب واهية، تحثّني على تفقّد غيبة مَنْ أحببتها كثيرًا. أقف على عتبة بيتها المهجور. أدخله من بابه المشرَّع زائرًا متسوّلًا أثرًا من رائحتها. بين الغرف، أمشي. تستقبلني هرّة. معًا، نسير. أرافقها في وحدتها وتواسيني في وحشتي. أدمع قليلًا وقد أدركني اليأس من العثور على ما جئت بسببه. في محاولة أخيرة، فتحت الخزائن والجوارير عساني أعثر على صور وثياب تخففت من حملها حين جمعت أغراضها وغادرت على عجل. لم تترك لي شيئًا. بات بيتها شَبَهي، خربة مجبولة بالغمّ، والهمّ، والندم، والعدم. كأنه كأني.الحيّكنّا جيرانًا في بيتين متقابلين يفصلهما طريق ضيّق مسدود بالكاد يتّسع لمرور عربة. أقامت عائلتي في الطبقة الثانية من مبنى منير طبش، وعائلتها في الطبقة الأولى من مبنى ماهر كلش. لا فرق كثيرًا بين المبنيين غير علوّ طبش عن كلش بطبقة واحدة. السيّدان منير وماهر نسختان سيّئتان عن بعضهما بعضًا. كلاهما يبدأ اسمه بحرف الميم، على شاكلة حيّنا. أجهلُ مَنْ سمّاه حيّ محيو. ما صادفت محيويًّا واحدًا نُسِب الحيّ إلى عائلته. المؤكد أنه مُدرَج في دوائر بلديّة بيروت وشركة الكهرباء ومصلحة المياه، واسمه الرسمي، «شارع محيو»، تحمله لوحة معدنيّة زرقاء، مسمّرة فوق حائط فاصل بين مدخلَيْه الشمالي والجنوبي المتفرّعَيْن من شارعَي الحاراتي وعمر بن الخطاب. عشنا في حيٍّ مغمور، تناوبت على سكنه العائلات نفسها وأورثتها، ملكًا أو إيجارًا، إلى الأبناء ومنهم إلى الأحفاد وذوي القربى حتّى انقطاع أنسالهم. تاخم الحيّ شارع الحاراتي، وكان شبه فناء خلفي لشارع عمر بن الخطاب، حيث أنشأ الدكتور سهيل فتحة عيادته ومنزله. في الجانب المقابل لعيادة الدكتور، غطّت أشجار التوت والقشطة والمانجا والياسمين وزهر الفتنة قطعة كبيرة من الأرض امتلكها يوسف حبيب، ثريّ من أصل مغربي، شيّد فيها دارة فخمة مشهورة بقصر المغربي، على سطحها مسبح، تحوطها حديقة للنزهة والاستراحة وشرب القهوة، زُرعت أطرافها بالبندورة، والفجل، والبقدونس، والنعنع. شكّلت الأشجار في الخارج سياجًا واقيًا من النظر، امتدّ في محاذاة شارع الحاراتي، واستُكمل من جهة حيّ محيو بجدار عريض تعلوه قطع حادّة من الزجاج لنهي اللصوص عن تسلّقه وسرقة القصر. من نافذة غرفتي، استرقتُ النظر إلى القصر. بموقعه المنخفض قليلًا في وسط مساحته، بدا وكأنه بُنِيَ في وادٍ وهندسته مستوحاة من ديكورات السينما الأميركيّة وأفلامها عن أثرياء القرن التاسع عشر. أضفى حضوره علامة على تمايز طبقيّ في مربّعنا الأهلي، لم يدفع سكان حيّ محيو إلى اعتناق الماركسيّة وإشهار ثورة بلشفيّة تطيح القيصر المغربي وتقصيه عن معمورة رأس النبع. تعالى عليهم بالشجر، جاوبوه بالورد. زيّنوا حافات شرفاتهم ونوافذهم بأصص الجوري والنرجس والفل والخزامى والكاميليا، تقليدٌ اكتسبوه وتناقلوه من اعتياد السنَّة البيارتة ملء الفراغ والتوق إلى منظر ريفيّ وسحر طبيعيّ، أقلقهم فقدهما مع تزايد العمران. أخذنا عنهم التقليد، ملأنا البلكون غاردينيا وحبقًا وورق شاي، وما احتاج آل الضناوي إلى وردة أو زهرة. كانت فايزة وردتهم وزهرتي.لقطة دعائيّة لفيلم قضية طوماس كراون.أكي دنياذات صباح، قصدتُ الدكتور سهيل متألِّمًا من التهاب اللوزتَيْن. استقبلتني مساعدته، إنعام، ورجتني أن أنتظر. جلست. عرفت فايزة من صوتها وأنها في عيادته. سمعتها تحتجّ في غضب على عدم زجره الساخرين من أصله وكنيته. أتت لتأنيبه وليس لاستشارته في عارض صحي. لم تدعه يتكلم. صفقت الباب بقوّة وراءها وانصرفت. رأتني. عبست في وجهي. تلقّيتُ عبوسها عبثًا بحيائي. شو جابك؟، سألتني. أنتظرك، أجبت. شهقت ضاحكة وسحبتني من يدي. عندها، شفيت. صحبتني إلى حيث أنعش الزهر عواطفي، وفعل الورد فعله السلميّ وجنّب أهل الحيّ انخراطهم في ثورة بلشفيّة دمويّة لا تُبقي ولا تذرّ. حتى لو عزّ الورد عليهم، كان البديل الاشتراكي من القيصر المغربي وملكه الخاصّ، حاضرًا بينهم وضامنًا ملكهم العام وحقهم في استغلاله. إنّه الحرج، مشاعٌ عقاره مفتوح على الأوتوستراد المعروف بشارع بشارة الخوري، نصفه أرضٌ بور، ونصفه الآخر مشجَّر بالتِّين والجمّيز والأكي دنيا والحمّيضة والبلح الأحمر وبرتقال بو صفير. سمّيناه حرج محيو من غير العلم بمن امتلكه وسوّاه وزرعه وأخلاه رزقًا سائبًا. الأرض السائبة تعلّم الناس الحرام، أسهله السرقة، وأوّل السارقين الفوّال حيدر أيوب، دأب على قطف ثمار برتقال بو صفير لاستخدامها في تتبيل الفول وتطييب طعمه وتلطيف حموضته. لم يترك برتقالة واحدة تعتب عليه. بين السرقة واللهو وخدش الحياء، تنوّعت شهرة الحرج وتعدّدت استعمالاته. اتّخذ الفتيان من مساحته الرمليّة ملعبًا لكرة القدم، وكان سلوى البطّالين، وخلوة العشّاق، ومعبر الهاربين من كبسات رجال الدرك، ومتنزَّهًا لكلب شارد أو قطة هائجة. عواء، مواء، تنهّد، أنين، همس، هرج، صراخ، جنّة الخطيئة، روضة البراءة، يصعب حصره في صوت أو منظر، أدار نفسه بنفسه. نظامه فوضاه. بالعُرف، تحدّدت أوقات روّاده وانتظم دخولهم إليه. قبل الظهر، ملقى العاطلين عن العمل. وبعده، مباريات الكرة. الغروب للعشاق والظلمة للحيوانات الضجرة. نهار الحرج حركة وليله سكون إن اخترقه صوت فاقمه رهبةً ووحشةً. صخبه صنو صفوه، بَلبَلهما يومًا اكتشاف جثة عند الفجر ألقاها قاتل مجهول. تجمهر الناس، هرعت الشرطة، طوّقت مسرح الجريمة، جاءت عربة إسعاف، سحبت الجثة وانسحبت. أشعت الشمس، عادت الحياة إلى طبيعتها ودبّت مجدّدًا في الحرج. مع نهاية كل فصل من أحداثه ويوميّاته، استحق الحرج وصفه «حديقة الأخبار»، على اسم أولى الجرائد المعروفة في تاريخ بيروت. لم نحبّ اسمه. غيّرناه من الحُرج إلى البستان. ألفناه منذ مراهقتنا. وعلى خلاف روّاده، كنّا ندخله ونغادره وقتما نشاء، نفترش عشبه، تحدّثني فايزة عن كل شيء، عينها اليمنى عليّ وعينها اليسرى تسرح حواليها، ترتفع إلى السماء وتقفل عائدة إلى البستان وتربته. من التراب وإليه تعود وأنا الحاضر في عين والغائب في عين، أكون ولا أكون. بين عينيها، عذّبني شرودها وتشرُّدي. غرّها أنها أرفعُ من أن تغمرني بالعَيْنيْن. كرّمتني باليمنى وأكرمت العالم باليسرى. حيّرتني. تقَلَّب مزاجها تقلُّب عينها والنظر، إذا رفّت، ارتعشت وتوتّرت وتبرّمت. سويعاتيّة. ما عرفتُ لها حرفًا من طرف. في طرفة عين، يتبدّل مزاجها في سرعة، وتصبح شَبَهَ فايزة أحمد، تغضب لترضى وتثور لتصفح. نرفوزة. في المدرسة، تفوّقتْ في اللغة الإنكليزيّة وتدنّتْ علاماتها في سائر المواد. مُشتّتة الذهن والتركيز. لم تثرها فكرة أو كلمة. كانت تنفعل بالنظر. انتابها مرّة القرف من استلقائنا فوق العشب. رأت أننا نقلد مشهدًا باليًا اجترّته الأفلام ومُياومو العشق في البستان. بقبضة شرسة، اقتلعت العشب اقتلاع الأرض من جذورها. ونهضت. صحبتني إلى شجرة الأكي دنيا. قطفت حبّة فجّة، احتضنتها بشفتيها وداعبتها كأنها تدلّكها بهما ثمّ كدشت نصفها، وأعطتني نصفها الآخر، خذ، قالت، بلّل ريقك. وفعلتُ. من فتحة الشفتَيْن، دخلت الثمرة في فاهها. رقّقها لسانها الدلّاك الزلّاق وأنزلها ناعمة في جوف حلقومها. بلعتْها وتنفَسّت. تابعتها لحظة بلحظة. سال لعابي. خنقتني الشهوة. أثارتني و«كسراب يحسبه الظمآن ماءً»، أغشت بصري. لو أخذتني إلى شجرة التين، لاستعدنا خطيئة آدم وحوّاء وتبدلت حكايتي من أساسها. أحبّتني ولم تعشقني. الحبّ شيء والغرام شيء آخر. غرامها الأكي دنيا. اشتهت أكلها فجّة خضراء تلذُّذًا بحموضتها. ما كان ينقص حرقة قلبي سوى الاكتواء بالأكي دنيا ونارها الخضراء. يا لها من فاكهة تستدعي اللذّة وتمنعها عنّي.موقع البستان كما يبدو اليوم (الصورة: محمد سويد)يَزَنمن لافتته الزرقاء، استمدّ الحيّ وجوده واستمرّ. يسهل تعداد مبانيه ويعسر إحصاء أبنائه. تخلو دائرة النفوس من سجلّ بأعدادهم. إذا أُحصيَ المتناوبون عليه منذ قرن، ناهزوا سكّان أيسلندا، وفاقوا زائري برشلونة باحتساب عابري سبيله وموتاه. لم يعد له إلّا اسمه ولافتته وأنا. ما زلت في بيتنا القديم وما بدّلتُ تبديلًا. سأروي الحقيقة بما أوتيتُ من كذب مُنمَّق بطلاوة اللسان والخلق الحميد. أروي لأتوارى. سأغيب أخيرًا. لا ريب. ولا اعتراض. الأعمار في يد بارئها. سبحان الباقي في الحيّ. عشت ورأيت ونجوت ومكثت. عنواني ثابت وفي محله. البقاء في المكان نفسه صعبٌ. والأصعب منه البقاء على قيد الحياة. يبدو الموت أنسب والميت أفضل حالًا من الحيّ لأن الميت يورث أحبّاءه عذاب موته. يؤلمه الموت وينهي حياته مرّةً واحدة وأخيرة. أما الحيّ، فيستمرّ ألمه طالما استمرت حياته، وحين يفارقها، لا تبالي، تخذله قدرتها على الاستمرار من دونه. الحيّ صفة الحياة، وأعني به حيّ محيو. نسج حيّنا خرافة بقائه في استمراره من دوننا. لافتته الزرقاء، شاهدته الصامتة، عهدت بأخباره إلى شهيده الأمين، محسوبكم، رامي زيتون. مرّت على الحيّ أزمات ومآسٍ وصراعات دول وزمر محليّة، أتعبني العيشُ صحبة ذكرياتها. عندما نقل جميل الضنّاوي محل إقامته وافتتح مصبغته، استبشر خيرًا في غده. على أمنيته في الثراء وبناء عائلة كبيرة، كدّ وأنجب ثلاثة أولاد وتمهّل. مع وصول الحرب العالمية الثانية إلى الأبواب، تراجعت الأعمال وضَؤُلت موارده. إثر الحرب، استنهض عزيمته وحاول البدء من جديد. سرعان ما فُجع بوفاة أصغر أبنائه، يزن. وُلِد بقلب مثقوب. عاش خمسة أعوام ورحل. بكاه جميل كما لم يبكِ أحداً. كاد يكفر. بل كفر ونهرته أمّه. فعاد واسترضاها وتشاهد واستغفر. مصيبته في صبره وليس في إيمانه. طال حداده وأضرب عن العمل أربعين يومًا. ولمّا استأنفه، راحت متعته. عن بُعد، وقفتُ في الرصيف المقابل له، وراقبتُه يهوي بالمكواة على الثوب ويضغطها حتى يحترق. فقد أجمل الفنّ في عمله، الرأفة بالثوب، وأفقده الغضب الرأفة بنفسه. بين موت غادر وحياة جائرة، تعب جميل. ومع أنه تجاوز محنته وصرف تفكيره عنها بالكيّ، ازداد منافسوه في المهنة ولم يتحسّن مدخوله قبل السماح لزوجته ألحان بتنظيم رحلات سياحيّة يومَيّ السبت والأحد من كل أسبوع إلى دمشق، رأسمالها استئجار بوسطة تتّسع لثلاثين شخصًا أو أكثر تتقاضى منهم رسومًا غير باهظة تقتطع منها أجرة السائق وسيّارته وتكسب ربحًا صافيًا ممّا تبقّى. سار المشروع جيّدًا وزاد ربح ألحان من شراء البضائع والحلويات من دمشق وبيعها في بيروت، ثم استعاضت عن البوسطة بباص بولمان، وتخطّت رحلاتها العاصمة السوريّة لتشمل المعالم الأثريّة في شتى المحافظات، وصار لها زبائن يوصونها على حوائجهم ويُنقدونها دفعة مسبقة على الحساب.مؤدّيةً دور جيل وهي تحتضن طفلها باتريك في «البيت تحت الأشجار» لرينه كليمان، عام (1971).مقطع من فيلم «البيت تحت الأشجار» (1971).رافقها ابنها أحمد في رحلاتها. آثرت فايزة ملازمة أبيها. وفي تحوّل مفاجئ، راحت تطلب من أخيها البقاء وتُرافق أمّها. استطابت السفر وتعلّقت به منذ تجاوزها الثامنة عشرة وحيازة جواز سفرها الأوّل. ما كان السفر أو الذهاب إلى دمشق غايتها أو وجهتها المنشودة. حلمها الفرار. أفهمُها جيّدًا. أرادها أبوها على صورته، رآها أخت الرجال، كاوبوي، وما رأت نفسها إلّا في مرآتها تطير بها إلى نجمتها جوان كراوفورد. إلى السماء، سبقها يزن الصغير. هدّ موته عائلتها ومزّقها. بالكيّ والسفر، داوى جميل وألحان ويلتهما وهربا منها. آن لفايزة أن تهرب أيضًا. كانت الأخت الحنّانة ليزن. يشهد لها ردّ فعلها على موته. أسرّت إليّ أنها لن تشفى من خسارته إلّا بصبيّ من رحمها يستكمل حياته وحنانها عليه، ولن تلده في بلدها وحيّها المشؤوم. تملّكتها رغبة ماسّة في الرحيل عن أرضٍ آسنة اللون والريح والرائحة إلى عالم كان جليس متعتها وعتمتها في السينما، تغيّرت عناوينه من فيلم إلى آخر وسحرها أوّلها، «لن تعيش سوى مرّة»، شاهدنا نسخته المرمّمة على شاشة راديو سيتي، عام 1956، وكان التقليد الشائع في صالات بيروت إعادة عرض الأشرطة القديمة في فصل الصيف وإرجاء جديدها إلى شهر أيلول، بداية موسم الافتتاح. روى الفيلم هروب زوجين. المرأة، جوان غراهام (سيلڤيا سيدني)، موظفة في مكتب محاماة، والرجل إدي تايلور (هنري فوندا) سجين وعدها بالتوبة والزواج بعد إطلاق سراحه. تنتظره ثلاثة أعوام. فور إخلاء سبيله، يُعقد القران، وما أن يبدآ شهر العسل، يلاحق الحظّ العاثر والسمعة السيّئة إدي أينما حلّ ويعامله الناس كمتّهم إلى أن تقع جريمة وتُلصَق به زورًا. عدا زوجته، لن يقتنع أحدٌ ببراءته. لن يبقى أمامهما إلّا الهروب. «لن تعيش سوى مرّة» (1936) (الصورة: أرشيف محمد سويد)أُنتج «لن تعيش سوى مرّة» عام 1936. أخرجه الألماني فريتز لانغ، وانطلق عرضه العالمي الأوّل في 29 كانون الثاني 1937 مصحوبًا بنجاح منقطع النظير. أحدَثَ نمطًا جديدًا في نوعه وانتمائه إلى سلسلة «أفلام الطريق»، ناقلًا فكرته من حيّز الرجل الفارّ إلى ثنائي الرجل-المرأة، الزوجين أو العاشقيْن، جاعلًا هروبهما من الشرطة وإلى خارج الحدود، احتجاجًا على نظام العدالة والمجتمع. أحزَنَ فايزة غياب جوان كراوفورد عن الفيلم، وأفرحها حمل بطلته إسم جوان. فتنها فرار إدي وجوان. وتملّكتها الرغبة في الرحيل إلى عالم بلا عنوان. وعلى طريقة الأطفال في اللعب، اقترحت أن نفرّ معًا. أقنعتني أننا أمهر من هنري فوندا وسيلڤيا سيدني، وأفلامنا أنجح. أنا النجمة، قالت، وأنت الكاتب والمخرج. وكيف نهرب ولا مال لدينا؟، سألت. نسرق بنكاً، أجابت.غرّتني الفكرة. وأخذتني الغفلة. اعتبرتُ كلامها اعترافًا بحبّي، وحسبتُ أنّي شريك هروبها وحياتها، وسأكتب لها من الأفلام ما لم يعطِه آرثر ميلر لماريلين مونرو، ولن يفرّقها أحدٌ عنّي. كم أنني عبيط. بسذاجتي وقلّة فطنتي، تأكدت بعد سقوطي في البليّة أني خارج الاعتبار وأنها نوت الفرار من دوني.مع ستيف ماكوين في قضية طوماس كراون (الصورة: أرشيف محمد سويد)حربٌ باردةاحتلّ الأميركي جيري شاتزبرغ حيّز أحلامها، برهن بالغرام المشهود وبلا أدنى شبهة أو سوء نيّة، أن خلاصها في يده. بينما أنا يدي قصيرة وعيني بصيرة، على قول المثل بالمقلوب. قلب جيري حياتي من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين. لعنتُ ساعة الإنزال الأميركي في بيروت فجر الخامس عشر من تموز 1958. وقتها، ناشد الرئيس كميل شمعون الولايات المتحدة دعمه ووقف الثورة على حكمه. استجاب نظيره الأميركي دوايت د. آيزنهاور وأطلق عمليّة «الخفاش الأزرق» آمرًا بإبحار خمسة آلاف جندي بحرًا إلى بيروت. عند رسوّهم في شاطئ خلدة، وقعت عيون مشاة المارينز على سابحين من مختلف الأعمار وصبايا بالبكيني ينعمنَ بحمّام شمس على الرمل، ولاحظوا سيّاحًا أجانب وأكشاكًا للمشروبات والمأكولات الخفيفة. تراكض الأطفال إليهم وساعدهم فتيان في إفراغ عتادهم من السفن. توجهوا إلى المطار، سيطروا عليه، جعلوه قاعدة لنقل الإمدادات، أنشأوا المتاريس، وشرعوا في تسيير دوريات.مع جيري شاتزبرغ (الصورة: أرشيف محمد سويد)ذكرت المراجع التاريخيّة أنه كان التدخل الأميركي العسكري الأول في الشرق الأوسط، وأغفلت أنه كان التدخل الأميركي الأوّل في شؤوني الحميمة. كانت الحرب الباردة في أوجها. وبكل برود، حطّ المدعو جيري في مطار بيروت. جاء متأخّرًا سبعين يومًا عن عمليّة «الخفّاش الأزرق». تأخّر لأن مهمّته شخصيّة ولا شأن لها بعمل المراسلين والتغطية المباشرة. استغلّ انتشار المارينز غطاءً لمشروع ألبوم مصوّر اقترحه على مجلّة «لايف»، استغرقه سنوات وطاف من أجله بلدانًا في نقاط ساخنة من العالم، تتناسق وعنوانه الرنّان، «الجمال في حرب باردة/ Beauty in a Cold War». في الحادية والثلاثين، وفي وهج شبابه، احترف التصوير ونشر أعماله بالتعاقد الحرّ مع «لايف» و«فوغ» ومجلات عدّة مرموقة في عالم الموضة والريپورتاج والفنّ الفوتوغرافيّ. تفوّق في البورتريه وعذوبة استعماله الأسود والأبيض وتنسيق الألوان طبقًا لحرارة الضوء وتباين الظلال. عكس أسلوبه طموحه إلى السينما وترجمه في خطواته اللاحقة منتقلًا من مسقطه الروحي نيويورك إلى هوليوود واحتلاله موقعًا طليعيًا وسط مخرجيها المحدثين في أواخر ستينات القرن الفائت وسبعيناته.سبقتْه شهرته إلى بيروت. قبل وصوله ونزوله في فندق النورماندي في جادّة الإفرنسيين، تراسل مع صحافيين محليين حصل على عناوينهم وأرقام هواتفهم من المكتب الإعلامي للسفارة الأميركيّة. انكبّ على العمل من أول يوم. قابل الصحافيين، اختبر معرفتهم بالمناطق وباللغة الإنكليزيّة. غربل أسماءهم واستقرّ اختياره على بشير يمّوت. بمبلغ مقطوع من موازنة مشروعه، استخدم ابن يمّوت دليلًا في التجوال والترجمة وتضمنت المصاريف كلفة استخدام سيارته الفرنسيّة الزرقاء «سيمكا» وتموينها بالوقود. في مقالة له نشرتها مجلّة «لايف» في عددها الصادر بتاريخ 11 أيّار 1967، استذكر «عجائب» رحلته اللبنانيّة. كتب أنّ دليله شاب مربوع القامة ومحرّر أخبار الفنّ والمجتمع في صحيفة «الصفاء». حدّثه الدليل عن جريدته أكثر ممّا عرّفه بنفسه، أطنب في تقريظها قائلًا إنها أكبر عمرًا من لبنان الكبير، أسسها أمراء آل ناصر الدين عام 1886، وظلّت في حياطتهم عشرات السنين، استكتبت ألمع الأقلام واستقطبت أروع الأدباء؛ سُمّيت «الصفاء» تباهيًا «بصفاء لبناننا السعيد من الشوائب السياسيّة المقلقة»، بحسب بيان مؤسسيها. علّق جيري على البيان ساخرًا، «بعد دخول المارينز، عليهم أن يغيّروا اسمها». ابتسم بشير واسترسل في تعداد كُتّاب الصحيفة. أوقفه عن العدّ. رجاهُ التركيز على عمله. استجاب. جابا الصخر بالواد، تنقيبًا عن «جمال الصورة». غامرا في عبور المناطق، تفاديا بؤر التوتر في بيروت وطرابلس، ذهبا إلى صيدا، صور، بعلبك، بيت الدين، المصايف، قمم الثلج، المرتفعات الشاهقة وغابات الأرز. استغرب بشير عزوف المصوّر الأميركيّ عن التقاط أيّ صورة. وقابله جيري بالاستغراب عينه قبل إدراكه أنه لم يلتقِ جمالًا استوفى رغبته وحرّك غريزته. لم يعجبه العجب. ظنّ أنه أخطأ العنوان. عمد إلى تضييق دائرة البحث. اختزلها بالمدن. أخيرًا، قرّر حصر بحثه في بيروت. استطلع القصور، المسارح، دور السينما، الملاهي، علب الليل، الفنادق، خليج السان جورج، صخرة الروشة، الرملة البيضاء، الأوزاعي، خلدة؛ عرّج على جنود أميركيين في خلدة، آنسهم حضوره، حكوا عن بلداتهم في أوهايو، تكساس، أوكلاهوما، آيوا، نيو مكسيكو، كليڤلاند، كنساس، سينسيناتي. وعلى نحو تمنّي رؤساء الولايات المتحدة عودة جنودهم سالمين كلما أرسلوهم للقتال خارج الوطن، تمنّوا رجوعهم قريبًا إلى بيوتهم وعائلاتهم.بعد مشاة المارينز، التقى مشاة ميليشيا «النجادة» في جبل النار، البسطة الفوقا. شاهد علم حزبهم وشعاره «بلاد العرب للعرب». سألهم عن معنى الشعار. ذكّروه بتأميم قناة السويس ودحر العدوان الثلاثي على مصر. حيّوا جمال عبد الناصر، لعنوا أميركا، شتموا الرئيس شمعون وحلف بغداد، تسابقوا على الكلام، قاطع بعضهم بعضًا، علت الأصوات، تلاطمت الألسُنُ وتلاكمت الكلمات. عجز مرافقه عن جمع أقوالهم أو اختصارها في جمل مفيدة. حاول تشبيه الوضع بمثل «الحمام المقطوعة ميّتو» وأخفق في ترجمته. كانا في وسط الحمام ومَعْمَعته. ضاعت الطاسة، ووقف جيري كالأطرش في الزفّة، حائرًا، جاهلًا، راثيًا لحاله. جاء من نيويورك ناويًا تصوير بلد أنقذه جماله من دمامات الحرب والموت. وانتهى به المطاف مستمعًا، لا يفقه لغة أشاوس جبل النار ولا ينغم بحرف منها. خاب ظنّه في البلد. خاب أمله في جماله. فكّر في ملاقاة مقاتلي «الكتائب» علّهم يُسمِعونه روايات أكثر وضوحًا. اعتذر بشير عن مرافقته خوفًا من تصفيته على هويته الطائفيّة. نصح له بعدم الذهاب لأن روايات الأشرفيّة تختلف عن نظيرتها في البسطة بشتائم معاكسة استبدلت آيزنهاور وشمعون بعبد الناصر والاتحاد السوڤياتي. ضلّ جيري سبيله. أغرقته السياسة وأنسته غايته. تشتّتَت في غبار الحرب وأخبارها المطمورة في رمل متاريسها ومثاوي موتاها. ومثلما تراءت للعلن، بدت في محصلة أعداد قتلاها وجرحاها ونازحيها، أقلّ من حرب جديرة بدخول التاريخ. فما طال أمد التدخّل الأميركي غير مئة ويومين أفضت خواتيمه إلى تسوية أكملت ولاية كميل شمعون حتى نفادها قانونًا في 22 أيلول 1958، وأوصلت اللواء فؤاد شهاب إلى سدّة رئاسة الجمهوريّة. حقّق الرئيس آيزنهاور أمنيته وأمل الأبناء في العودة إلى ديارهم. بحدٍّ أدنى وقياسي في تاريخ الحروب الأميركيّة، بلغت الكلفة الماديّة مئتي مليون دولار. واقتصرت الخسائر في أرواح الأميركيين على مقتل الرقيب جيمس ر. نيتلز (James R. Nettles) برصاص قنّاص في 2 آب 1958، ووفاة نحو اثني عشر جنديًا بأمراض وحوادث جانبيّة مفصولة عن المعارك. انسحبت أفواج المارينز في 25 تشرين الأوّل 1958، وما انسحب جيري. لم تَلِن عزيمته ولا فترت همّته. مستفيدًا من هدوء الأوضاع، قرّر بذل محاولة أخيرة قبل حزم حقائبه والإقرار بفشله. أعدّ عدّته طالبًا من مرافقه بشير أخذه إلى أماكن غضّا عنها الطرف في جولاتهما السابقة. كالأستاذ العليم، شرح جيري أن جمال لبنان ليس في بحره وجباله، ولا في آثاره الرومانيّة، وعماراته العثمانيّة والفرنسيّة، بل في مطارح تفتح شهيّة العين بناسها وحياتهم اليوميّة. وعده بشير خيرًا وسار به إلى ما رام من لذائذ الصور واشتهى. علّق جيري الكاميرا حول رقبته وجال في الحارات الشعبيّة وأعشاشها البشريّة. الطقس حارّ. وبعض المارّة خرج فاتحًا أزرار قميصه على وسع صدره تخفيفًا من شدّة القيظ. لا يعرف الآتون من غرب الكرة الأرضيّة إن صيفًا آخر يحلّ في بلادنا كل عام بين تشرين الأول وتشرين الثاني. شعشع جيري بالشمس. مشى قرابة الساعتين. تعب بشير وهدّه العطش. لمح بائعًا يجرّ عربة تعلوها ألواح ثلج فوق ألواح خشب، وفي أسفلها ثلاث خزانات صغيرة تتدلّى منها ثلاثة صنابير. كان البائع يتقدم في اتجاههما، ضاربًا بيديه صَنجيْن نحاسيين، صائحًا منغّمًا، سوس، تمر هندي، جلّاب. استأذن بشير صاحبه بالاستراحة وشرب العصير. على حسابي، قال. اشترى لنفسه سوسًا ولضيفه جلّابًا مكلّلًا بالزبيب والصنوبر. بلع بشير كوبه بجرعة واحدة وتلبّك جيري في تناول المشروب واحتار كيف يشرب الجلاب من دون مضغ زبيبه وصنوبره. أعطاه البائع ملعقة. وراح يغرف الحبات بها ويشرب الجلّاب في وقت واحد. استاء من خلط طعم الزبيب بالجلّاب. اكتفى بانتقاء حبّات الصنوبر وأكلها. شكر ابن يمّوت على مكرمته. واستأنفا المسير نزولًا من برج أبي حيدر إلى رأس النبع، حيث وقع جيري على مخلوقته الـمُنتَظَرة والـمُـنتَظِرة. لمعت عيناه. مثلما سقطت التفاحة على رأس نيوتن واكتشف الجاذبيّة، وقعت فايزة في عدسة جيري واكتشف الجمال. وجدها! بكاميراه المتدلّية فوق صدره، لاحظ ما لم يلحظه قبلًا، أن الكاميرا تتناغم وخفقان القلب، أن القلب مسقط الكاميرا. وجد ابن حيّ البرونكس جماله في ابنة حيّ محيو. رآها تتجه نحوه. جمد في أرضه. وصلت إلى قلبه، رفعت الكاميرا عنه وأمسكته إيّاها بقوّة، نعم، يا جيري خذ الكاميرا بقوّة وصوّرني. على قلبه أحلى من العسل. أفرغ ذخيرته من الأفلام الخام. انتهت الحرب، ولّت لعلعة الرصاص، وحانت تكتكة الكاميرا. لم يشبع من تصويرها. أخبرها عن مشروعه. حدّثته عن جوان كراوفورد. ولـمّا سمعها تتكلّم الإنكليزيّة، استغنى عن خدمات بشير واستأجر سيّارة، قادها بنفسه وكان يصحبها يوميًّا للتصوير في وسط العاصمة وأسواقها العتيقة، ويعيدها في الوقت المناسب إلى أقرب شارع من بيتها إبعادًا للشبهات والنمائم. صارت نجمة ألبومه قبل طبعه. «الجمال في حرب باردة»، لخّص لها مشروعه بعنوانه وأسهب في شرح دورها. فهمت من كلّ كلامه أن الحروب تأتي وتروح ويبقى من كلّ الدنيا جمالها. منها، عرفتُ بلقائهما الأول. أصرّت على تقديمه إليّ منهمكًا في تصويرها أمام كاتدرائيّة الأرمن الكاثوليك في ساحة الدباس. حين صافحتُه، رمقني بنظرة شكّ تداركتْها فايزة بوصفها لي أني صديق الطفولة والأفلام. وقعُ كلمة صديق أثقل من انهيار جبل على شخص مثلي خَفَى حبّه بالصمت. بالكاد كلّمني جيري. خلع سترته، استلّ الكاميرا من حقيبته، خلعَتْ قبعتها، نظرَتْ إلى وجهها في المرآة، أرخت شعرها، وحرّرته من الدبابيس، سرّحته بالفرشاة، أعطاني السترة والحقيبة، أعطتني القبّعة والمرآة والفرشاة والدبابيس. عاملني كناطور. عاملتني كوصيف. كلّفني مراقبة مسرح التصوير. وبدورها، نبّهتني، خلّي عينيك عشرة عشرة. الكلمة الأخيرة له. بإشارة منه، يبدأ التصوير وينهيه، يأخذ اللقطة ويكرّر تصويرها مرارًا إلى أن تنال رضاه. قاسٍ، سليط ومتسلِّط. خنعت لأوامره وارتعدت من غضبه وخشيت العقاب. بعدما حذّرني من السماح لأحد بالظهور في بؤرة عدسته، واجهت أسوأ امتحان حين سهوت عن مرور بائع خضر. زعق بي زعقَة الريح بالرمل، موبِّخًا، You’re a bloody damned ass hole.ملصق أيام الكوندور الثلاثة لسيدني پولاك (الصورة: أرشيف محمد سويد)طومحفظًا لجمالها من قلبي المتأوّه بنار حربه الباردة، تجاهلت إهاناته. عضضتُ على جرحي وجرح كبريائي. أنكرت أنها سبب شقائي. عرّفتني إليه من غير أن تكلّف نفسها عناء سؤالي عن رأيي في شخصه وطبعه ومعشره. السؤال مفروغٌ منه. أخذتني for granted ولا ألومها. عوَّدتُها على عدم الاعتراض على كل دور تطلب مني القيام به كرمى لعينيها. والآن كرمى لمصورها النيويوركي وزرقة عينيه. ما عاد لدي شك في أنها أصبحت له وألقتني لماضي أيامها المعدودة في حيّ محيو. الكيمياء جوهر العلاقة الناجحة بين شخصين. واضحٌ أن الكيمياء قالت كلمتها في قسمتهما ونصيبهما. واضحٌ أكثر، من سلوكه وتنمّره عليّ، أنه ضَربَ الكيمياء بعرض الحائط. فما ارتأيت ردًّا مناسبًا حياله غير ضَربِ الفيزياء بلبن أمه. وانهزمت. هزمني بخبرته في النساء ومهاراته الغراميّة. وفي الأساس، انتفت مصلحتي في الاستزادة من صحبته وخبرته. أوصلني غبائي وحيائي إلى ما وصلت إليه من استعبادي في موقع التصوير والسهر على راحة فنان متخاتل وصون نجمته من الدخلاء والمتطفلين. تحمّلت وحدي بلوى بؤسي برضائي أن أكون شيّالًا لأمتعة المستر جيري وحاميًا لحقيبة اللايدي فايزة وأمينًا على مستحضرات تجميلها. في احتساب الربح والخسارة من تبعات عملي معهما، كسبت عدم رؤيته ثانيةً في حياتي، وخسرتها، لا بل فقدتها إلى الأبد. وفي مراجعة لاحقة للماضي، أيقنت أنها غلبتنا معًا، أنا وجيري، وكان له أن يحسدني لو أراد، إذ لم أُعانِ ما عاناه. أعطاها قلبه بيدَ أنها سَبَتْ عقله. سلبته فنّه وتركته يصوّرها حتّى نالها السأم منه. غدرته وغادرته. أمّا أنا، فكنت مرذول القلب والحبّ جملةً وتفصيلًا.هي وغريمي جيري (الصورة: أرشيف محمد سويد)أخطأ جيري في حسبانه أنه الحبيب المنتظر. كانت في حاجة إلى مَنْ يصوّرها وليس إلى مَنْ يحبّها. جاء في الوقت المناسب. وفي الوقت الضائع من اللعب بالصور، علمتُ أن نهايتي أزِفَت. وانسحبت. سلّمتُ بهزيمتي النكراء في موقعة ساحة الدبّاس، وأبلغتهما اعتذاري عن المشاركة في جولات تصوير أخرى. تفهّماني. أو بعبارة أدقّ، تفهّما عزوفي من دون الحاجة إلى تفهّم أسبابي ومشاعري. والأنكى في ما بعد أنهما أصرّا على ذهابي معهما إلى السينما. وافقت مرّة وندمت. بين مشاهدة الفيلم وكركرة همساتهما وقرقعتها على طبلة أذني، ضعت وحَوِلت عيناي من تنقيل النظر. ساحة الدبّاس أرحم من صالة السينما. ووقوفها أمام عدسته في وضح النهار أفضل من الجلوس لصقه في الظلمة. لمَ الكذب واللف والدوران؟ رأيتهما معًا. ومن شجن فايزة أحمد إلى أنين نجاة الصغيرة، بدأت «الظنون تطلّ من رأسي وتشدّ أذني». أحرجني الوضع، تضايقت من نفسي، من استدراجي إلى ما لا أُحسدُ عليه. أوقعتُ نفسي في النزول بحبّي لها إلى الدَرك الأسفل. بتُّ عصفها المأكول. أحلامها أوامر. سمعًا وطاعة، حبًّا وكرامة، سايرتها في الكذب. تصنّعتُ السعادة. آلمني أن أكون حجّة غيابها وشاهد زور وستارًا واقيًا لاختلائها به وقتًا أطول في ظلمة السينما. ومع الوقت، ابتعدتُ وابتعدتَ عنّي أكثر. آنًا فآنًا، قلّت مشاويرنا إلى سينما كريستال وانعدمت. احتلّ جيري مقعدي. وأحالني جرحًا ساخنًا على نار باردة، هزمني برؤيته مدجّجًا حتّى الأسنان بالأفلام والعدسات. الكاميرا جبروت قاتل. لا صادّ له إلّا الخيال. والخيال ملعبي، باعترافها. خطأ حياتي أنّي جعلتُ خيالي ساحة معاركي العاطفيّة الخاسرة. تداولت في سيناريوهات عدّة اقتضى الظرف الطارئ وضيق الوقت استعجال البت بواحد منها ينصرني على عدوّي ويستردّ كرامتي المهدورة. اعتمدت استراتيجية الرسوم المتحركة. في مواجهة جيري، اخترت أن أكون طوم. وحصدت فشلًا مدوّيًا مزّق أحشائي، وكان الأجدى لي توقُعه لو تذكّرت أن قصص القطّ والفأر، نجميْ استديوهات والت ديزني ورسومها المتحرّكة، حيكت على مبدأ نجاة الفأر وإغاظة طوم. ولا مرّةً خرَّ جيري صريعًا بمخالب طوم.كمن يسلك خيطًا في إبرة، تسلّل جيري إلى قلبها. اليانكي ابن الستين كلب خطفها مني وخطفتني الغيرة، تلوّيتُ في سهادي وتقلّبتُ في فراشي. ما ذقتُ النوم إلّا غرارًا. غيرتي وقاد غروره. عزائي أني أراه اليوم وأتذكّره مجرّد ضحيّة لا يرثى لها. أدركَ الشفق وفاتته الشفقة في خاتمة غرامه. كنّا أحمقين بلا أدنى ريب، اختلفتُ عنه باقتناعي بما غشيَ عنه. عاش على وهم أنه صنع امرأة بإبداعه. وأعقلُ الظن في ما خصّني أنها صنعت مني رجلًا حرّكته بنور عينيها كخيال ظل يزامنها في حيّ محيو. على قدر عشرتنا ونهايتها الحزينة، بلغتُ ما عجز جيري عن بلوغه. كانت في حاجة إلى مستمع ومصوِّر وليس إلى عاشق. فكنت خير المستمعين وكان غريمي أحسن المصورين. آه من الحب، غنّى محمد عبد الوهاب، الحب فيه بقائي، الحب فيه زوالي. وفي رثاء حبي، أصابني الزوال في بقائي. الحبّ مرض عضال. ومن يزعمْ أنه أبَلَّ منه، يخشَ الاعتراف أن لا نقاهة بعد الشفاء منه. كانت حبّي الأوّل. من أوّله، ضربني المرض. ولشدّ الألم وضعف حيلتي في مداواته، أصابني ضرب من الهبل دفعني إلى استشارة أقرب طبيب يمدّني بوصفة شفاء. من فوري ، توجهت إلى الدكتور سهيل. كان خبر فرار فايزة من الحيّ مدوّيًا وخَلَّف وقعُه فضيحةً لاكتها الألسن وحجرت جميل الضنّاوي في بيته مرهقًا من حسرته على موت ابنه الصغير ومثقلًا باختفاء ابنته الوحيدة ومربى دلاله.لم يسألني سهيل ما بي. ما أن رآني، أعرض عن فحصي والإنصات إلى شهيقي وزفيري بسماعته الصدئة. تجاوز بروتوكول الأطباء في اختيار الكلمات وتشخيص أوجاع مريضه بمعاينة جسده. فهم سبب زيارتي. صارحني مباشرة، لا دواء للحب ولا محكمة تفصل في شكوى المحب. يا حبيبي انساها، النسيان كنز الإنسان، قال، صارت وراك. دير ضهرك وامشي. فاتني بعلمه أنها ابتعدت عنّي وفاته أن حياتي أصبحت ورائي. استصعبت العمل بنصيحته إلى أن عملت ومشيت. وما كففت. تلّة الأحلامخرجتُ من عيادة الدكتور سهيل وكان مرّ يومان أو ثلاثة على هربها. ذهبت مع والدتها ألحان في رحلتها المنتظمة أسبوعيًّا إلى دمشق. ولدى وصول الباص إلى الموقف العام وانشغال أمّها بنزول الركاب، غافلتها مسرعة إلى لقاء جيري في العنوان المتفق عليه بينهما. وافته في بهو فندق أميّة، حيث كان ينتظرها، وسافرا في رحلة طويلة قادتهما برًّا إلى باريس من طريق إسطنبول وجوًّا إلى نيويورك انطلاقًا من مطار أورلي. تكفّل جيري بالمصاريف وتابع تعليمها الإنكليزيّة وإلحاقها بمعهد لفنون الدراما وتابع التقاط صورها ونشرها في مجلتي «لايف» و«إسكوير». أغرم بها. لا أدري إن أحبّها بعينه أم بعدسته. من يرَ صُورَه يرَ الحبّ وانتقاله في الصور من الساكن إلى المتحرّك انتقال جيري في فنّه من غلاف المجلة إلى الشاشة الفضيّة معزَّزًا بدخوله معترك الإخراج السينمائي، معانقًا ملهمته البيروتيّة كريمة الكوّى جميل ورأس النبع وأهاليها. قدّمها في نيويورك بطلة أوّل أفلامه، «لغز طفلة قيد السقوط».على ملصق «مكان للعشاق»، لفيتوريو دي سيكا، مع مارشيللو ماستروياني، (1969) (الصورة: أرشيف محمد سويد)خير الكلام الفاتحة. وخير الفاتحة خاتمتها في قصّة فايزة. في أواخر خمسينات القرن المنصرم، طارت مهجة الدلال إلى جنّة كاليفورنيا. اعتزمت ضرب آفاق التمثيل ورفع شهرتها أعلى من أميركا، على «مدينة فوق جبل»، شامخة مرصّعة بأحرفها العملاقة، هـ.و.ل.ي.و.و.د.؛ تركتني في برزخ روحي، خالبة ألباب الأميركيين بحسنها المشرق من بؤبؤ العين وغور القلب. أغرت صحافتهم بنشر مقالات وقّعها نقّاد سينمائيّون مرموقون غالوا في وصف جفنها الأيسر الظليل بخصلة شَعرٍ أشف من الذهب. شَعرُها شِعْرٌ حيّر النقّاد. اغتنموا ظهورها، عام 1969، في فيلم «التدبير»، وانبروا في ردّ شقرته الخفيفة إلى بلد ما من طريق الحرير. مقطع من فيلم «التدبير» (1969).خمّنوا أن المخرج إيليا كازان، اليوناني الأصل، انتقاها من وحي طفولته. وفي موازاتها أدار كيرك دوغلاس في دور البطولة ممثّلًا شخصيّة مزدوجة الاسم- إيدي أندرسون/ إيفانجلوس أرنيس- محطمة في شتاته الأميركي وعلاقته المضطربة بأبيه وعائلته المتلاشية بخليط أعراقها اليونانيّة والتركيّة والأرمنيّة المهاجرة إلى أميركا، أوائل القرن العشرين. ردّ النقاد جذور فايزة، المدعوّة غوين في الفيلم، إلى السحر الهجين في ذاكرة المخرج. واحتاروا في تحديد منشئها ما بين سوريا وتركيا، أو إيران ربطًا بوالد كازان ومزاولته تجارة السجّاد في أيامه. نسوا أنها معبودة الابن في صراعه مع صورته المثاليّة للحلم الأميركي. حين يلمسها، يدمّرها، وحين ينأى عنها، يعاوده سحرها ويؤوب إليها حتى يدمّر نفسه. تجاهل النقّاد سيرتها الذاتيّة المعتمدة بموافقتها وإشارتها إلى أنها من مواليد بلدة باسكوم في مقاطعة جاكسون، فلوريدا. دحضت السيرة الرسميّة تخميناتهم وتخيّلاتهم عن الشوام والأرمن والأتراك والإيرانيين وقوافل المهاجرين والمتاجرين على طريق الحرير. فلا وجود لشيء اسمه طريق الحرير. الحرير هو شَعرُها. وأصلها في جمالها. جمالها ناكرٌ لا يستطيع الرائي إليه سبيلًا. وحده المخرج الإيطالي ألبرتو لاتوادا فطن إلى محياها المتوسطي عندما اختارها لدور الملكة الإسبانية إيزابيلا في رباعيّته التلفزيونية «كريستوفر كولومبوس»، عام 1985. تبوّأت إيزابيلا الأولى عرش قشتالة. بعد زواجها من فرديناند وليّ عهد أراغون وتوحيد مملكتيهما، تابعت حروب استرداد الأراضي وطُرد المسلمون من آخر معاقلهم، غرناطة. استكملت إسبانيا وحدتها وأصبحت إيزابيلا ملكتها، طموحها نشر سلطانها وديانتها المسيحيّة في العالم. وجدت مشروع كريستوفر كولومبوس فرصة مواتية. رعت مغامرته وموّلتها. وعدها بالهند. أخطأ الدرب ورست سفنه في جزر الكاريبي. اكتشف قارّة جديدة، أميركا. لا أحسد إيزابيلا على أميركا. ولا أحب إيزابيلا. أحبُّ جلوس فايزة على عرشها في فيلم الإيطالي لاتوادا. لو جلست على كرسي المخرج، لقلبت الأدوار ووضعت نفسي محل كولومبوس وأودعت إيزابيلا مزبلة التاريخ، ماخرًا المحيط الأطلسي صوب الرملة البيضاء ومنها إلى عتبة بيت الضنّاوي. ليتني آخذها من الفيلم. مستحيل. كلمة يا ريت عمرها ما كانت بتعمر بيت، على شدو فريد الأطرش. لسنوات طويلة، بنيت قصرًا من الأماني. وفات الأوان. مثلما رحلت إيزابيلا وتركت مملكتها للتاريخ، ذهبت فايزة في رياح شهرتها بين نجوم السينما وممالكها. مملكتي ليست من عالمها، خلا شاشة صغيرة منه حِكتُها ضوءًا وصورًا وأحلامًا. اكتشفتها قبل اكتشاف كولومبوس أميركا. سبقته بمئات السنين. روّعته بروعتي. والأروع مني ومنه ومن أميركا قاطبة حارتنا الرثّة الحنونة في شارع محيو ونجمته الساطعة فايزة. معًا ربينا وهِمنا وكبرنا. اليوم، أمسيت طيف غربتها، نعم، طيفها أنا وعاشقها المثلوم المكلوم. في حضرة القارئ ختيار ما كَلَّ عن إعادة تعمير الحيّ وسِيَر أهله، محاولًا فتح فجوة في الذاكرة تصحّح المصائر خارج النهاية السعيدة المنبوذة من فيلم ضحّت فايزة شبابها من أجله. أتوسّل بقائي على قيد الأمل بالتذكّر وأنا على قيد أنملة من خاتمتي. يا شقائي! ما أضيق الأمل لولا فسحة العيش في الذكريات. عليّ ألّا أتوقف عن التذكّر ومعاودة التذكّر. بتكراره تتغيّر الحقيقة وترتدي ألف وجه وصورة. تذكّرت وجهي صارخًا في وجهها تلبيةً لرغبتها. ذات ليلة، سألتني، بتعرف تصرخ؟. سكتت. ولـمّا أطَلتُ الصمت، ضاق صدرها، يللا، وصَرَخَتْ. أمرتني أن أردّد وراءها. بلا تردّد، صَرَخْت. كان صراخي الأول والأخير. بعد بلوغي الثلاثين، وثّقت الواقعة في فيلم روائي قصير جهدت في تمويله. اخترت مدينة الملاهي ديكورًا. وتعمدت الاستعانة بممثلة لا تشبهها احترامًا لخصوصيّتها. غايتي الفن وليس الحقيقة، علمًا أن المعضلة هي في الغاية نفسها. وعليه، رحت أصوّر وأعيد التصوير بلا طائل. أعياني الفيلم. غلبني. لم أُخرِجه. أخرَجني مشهدًا يتيمًا، لا مكان له في فيلم ولا في دنيا فتحت سماءها لنجم فايزة. طوال ثلاثين عامًا، آثرت متابعتها في صورها المنشورة في الجرائد والمجلّات على مشاهدتها في أفلامها. بعد مغادرتها رأس النبع، انقطعتُ عن ارتياد الصالات. وبعد فشلي في إخراج فيلمي القصير، انقطعتُ عن السينما. حصلتُ على إجازتي الجامعيّة من معهد الفنون. اكتفيت بقراءة كتب السينما وسماع الموسيقى. من تركة أبي وتعويضه في البنك، استأجرت دكانًا في مبنى عيادة الدكتور سهيل وجعلته استوديوًا للتصوير الفوتوغرافي. كان الأول في نوعه في حارتنا. حقق لي مدخولًا جيّدًا من زبائن صور الهويات وجوازات السفر والعرسان والمولودين والفائزين بشهادتي السرتفيكا والبروڤيه، إلى أن اندلعت الحرب عام 1975 وتراجع المدخول وتراكمت الديون. أنقذني دخول الفيديو إلى لبنان واكتساح الأشرطة المقرصنة للأفلام والأسطوانات. استفدت من تداعي الدولة والقضاء وجعلت دكاني محلًا لبيع أشرطة الفيديو بعلامتيها التجاريتين Betamax وVHS، ونسخ الموسيقى والأغاني وبيعها بحسب الطلب. طمحت إلى أن أكون سينمائيًّا وانتهيت قرصان سينما وموسيقى، أنسخ الأفلام والأسطوانات أبيعها بالمئات، وأحيانًا أشحنها بالآلاف من طريق المهرِّبين إلى باعة الكاسيتات في سوريا. بين أواخر سبعينات القرن السالف وثمانيناته، كوّنت رأسمالًا وافرًا أعانني على الاعتناء بأمّي وادّخار ما يدرأ عني العجز والفاقة. بحكم عملي، غرقت في مشاهدة أشرطة الفيديو وأنهيت صدودي عن الذهاب إلى دور السينما، والأهم من ذلك كلّه مشاهدة فايزة في حياتها الأخرى. أدهشني أن ألاحظ ما لم يلحظه أيُّ ناقد انبرى في تشريح أدوارها. رأيتها ملخصًا لسيرة فايزة وما سمعت من أحزانها وأحلامها بين العبث والاختباء في عتمة الصالات، وفاجعة موت شقيقها الأصغر يزن ورحلتها إلى هوليوود.بوني باركر، فيلم «بوني وكلايد» (1967) (الصورة: أرشيف محمد سويد)فكرتها أن نسطو على بنك ونكون طريدَيْ العدالة مثل هنري فوندا وسيلڤيا سيدني في «لن تعيش سوى مرّة» عرفت طريقها إلى الشاشة في «بوني وكلايد» لآرثر پن (1967)، قصة أشهر سارقي البنوك في أميركا العشرينات والثلاثينات. مقطع من فيلم «بوني وكلايد» (1967).شمل الفيلم هوايتها الجامحة في الصُّوَر. أرادت الظهور وكأنها حديث الناس وحدثُهم، حيث ترغم ضابط شرطة فشل في مطاردتها على التقاط صورة تذكاريّة تقَبِّل فيها شفتيه بشراسة. وتتهافت الصحف على نشر اللقطة مثيرة السخرية من ضابط حطت امرأة من رجولته وبنيته الحديد.إيحاء بوني باركر بلهفتها في أن تُصَوَّر استكملته أفلام لاحقة برغبتها في أن تُصَوِّر الآخرين وتستثني نفسها من الظهور معهم، على نحو استثنائها لي من الوقوف معًا في صورة تذكاريّة. في «أيام الكوندور الثلاثة» لسيدني پولاك (1975) و«عينا لورا مارس» لإيرفين كيرشنر (1978)، امتلكت الكاميرا وانتحلت شخصيّة مصورة فوتوغرافيّة، وتابعت شخصيّتها في «الحافّة المزدوجة»، فيلمٌ سيء ورديء الصنعة دارت رحاه في أوج الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى، أخرجه آموس كوليك (1991)، وحملت شخصيّتها اسمها الأول الحقيقي، مؤدية دور مصوّرة صحافيّة أميركيّة في أولى مهماتها في الشرق الأوسط. تستهلّ ظهورها بحماستها للضحيّة الفلسطينيّة. ولا تني تتخبط في تناقض مواقف الإسرائيليين والفلسطينيين حيال الصراع. وينعطف الفيلم دامجًا الروائي بالوثائقي في سلسلة مقابلات تجريها بطلته الأميركية مع وجوه فاعلة من الطرفين، البعض منها مستل من الأرشيف والبعض الآخر مُسجّل في حينه.مقطع من «عينا لورا مارس» (1978).ملصق «الحافّة المزدوجة» (1991) (الصورة: أرشيف محمد سويد)وإلى الصورة الفوتوغرافيّة، واكبت ازدهار الشاشة الصغيرة والبث المباشر. جسدت سلطة الصورة المتحركة ووحشيتها كمنتجة تلفزيونية ومديرة تحرير في فيلم «الشبكة» لسيدني لوميت (1976)، واستحقت عليه أوسكار أفضل ممثلة.مديرة الإنتاج في الشبكة لسيدني لوميت، 1976 (الصورة: أرشيف محمد سويد)السرّ الأخيرمن فيلم «شايناتاون» (1974).لم تبتعد عنها الكاميرا في حياتها الشخصيّة. تزوجت مرّتين من مُصوّرين، الأميركي جيري شاتزبرغ، أطال الله عمره، والبريطاني تيري أونيل تغمّده الله برحمته. طلّقتهما تباعًا. وكانت أمًّا لطفل وحيد، ليام، ظلّ سرّه مكتومًا حتّى مطلع القرن الحالي. بعدما قيل إنه ولد عام 1980 وكان ثمرة زواجها من تيري أونيل، كشف الأخير أنه ابنهما بالتبني منذ عام 2003. أكّد ليام صحّة النبأ. وثبّت هويته باسمين مختلفين. الأول بكنية أبيه والثاني اسم مزدوج على كنية مركّبة من عائلتي أبيه وأمه بشهرتها الفنّية. تعثّر حظها في الإنجاب. تمنّت التعويض عن خسارة شقيقها يزن بمولود من رحمها. خابت أمنيتها.ليام، ابنها الوحيد بالتبني (الصورة: أرشيف محمد سويد)وأفلامها زاخرة برابط الحب الموؤود بين أم وابن أو ابنة. في «بوني وكلايد»، يشكّل العجز الجنسي لكلايد سببًا لتفجّر معشوقته بوني پاركر بالغضب ويصبح العنف تعويضًا عن افتقاد حبهما المتعة والقدرة على الإنجاب. ولا تني الرغبة في الأمومة تستحوذ أزمتها العاطفيّة في «التدبير» لإيليا كازان، بينما تأتي نهاية فيلم «شايناتاون» لرومان بولانسكي (1974) بفشلها في حماية ابنتها المولودة سفاحًا من أبيها فتُقتل برصاصه وهي تهمّ بتهريبها. مقطع من فيلم «شايناتاون» (1974).لن يلبث الحبّ المَوْؤود أن يُضحي طقسًا ساديًّا في سلوك نجمة سينمائيّة تقسو على ابنتها في تربيتها بالعقاب المفرط، كما بلغ جنونها في التمثيل ذراه في «أمّي الحبيبة» لفرانك پيري (1981)، فيلمٌ مقتبس من مذكّرات كريستين كراوفورد، الابنة الكبرى بين أربع فتيات تبنّتهنّ جوان كراوفورد. مقطع من فيلم «أمّي الحبيبة» (1981). في دور جوان كراوفورد، «أمي الحبيبة» (1981) (الصورة: أرشيف محمد سويد)ولـمّا كانت جوان حلمها ومثالها منذ الصغر، توقّعتُ صعود فايزة إلى قمّة المجد في انتحالها شخصيّة النجمة الكبيرة. وحصل العكس تمامًا في سيطرة الانفعالات الهستيريّة على أدائها وتحوّلها مادّةً لتهكُّم النقّاد على أُفولها. حين شاهدت «أمي الحبيبة»، لفتني توقفه عند عقدة جوان كراوفورد من النظافة. أذكر جيّدًا أن النظافة التامّة شكّلت هوسًا لدى جميل الضناوي وزوجته ألحان. كان هوس جميل في النظافة أقرب إلى ممارسة عادةٍ منه إلى فعلٍ يمكنه الحدّ من عبئه. «سرساب» الكمال في الطهارة مأثرة معروفة عن العائلات السنيّة القديمة. وأم جميل بيروتيّة قُحّ. تلبّسها السرساب بلحمها ودمها. ورثته من أمّها وأورثته إلى وحيدها. فُطر جميل على النظافة منذ فِطامه. عن خاله الموسوس مثل شقيقته، امتهن الكيّ وفاقمت طبيعة عمله من التشدّد في الطُّهر والنصاعة. سرى السرساب سريان الماء في النهر. لم تسلم ألحان من عدواه وأعدت أولادها به. حملت فايزة من والديها وسواسهما القهري الخنّاس. أرجّح أنه كان رائز دخولها في نفسيّة جوان كراوفورد، على ما تبدّى في مطلع الفيلم، من توبيخ كراوفورد لخادمتها على إهمالها رفع أصيص الزريعة وتنظيف الأرض تحته. وفي مشهد آخر عن علاقتها غير السويّة بابنتها كريستين، تنهال عليها ضربًا وتجرّها إلى الحمام، تدلق بودرة الغسيل بكميات كبيرة في أنحائه وتجبرها على تنظيفه من جديد. في مرحلة أفول نجمها، انتقلت تصرفاتها الانفعالية الساخطة إلى مواقع التصوير وانعكست توتّرًا في علاقتها بالمخرجين. لم تُفهم ردود أفعالها العصبيّة على أبسط الأشياء. أدمنت الكحول والمهدّئات. تابع ابنها ليام علاجها في مصحات التأهيل. استعادت بعض عافيتها. عبر العلاج، تبيّن أنها كانت تجهل إصابتها باضطراب ثنائي القطب (Bipolar Disorder). كَشَفتْ الأمر في أحدث فيلم وثائقي عنها أخرجه لوران بوزيرو، عام 2024. فهمت من الفيلم شرودها القديم في النظر إليّ بالعَيْنَيْن في وقت واحد. وفي اللقطات المقربة من وجهها في غير فيلم، لاحظت تشتُّت نظرها بين عين تركّز على الممثل الواقف قبالتها وعين شاردة حوله أو في اتجاه آخر. لكل نجم لغز سحره على الشاشة. لغزها عينها اليمنى وسحرها عينها اليسرى. اكتشفت لغزها متأخّرًا. قضيت عمري مشغولًا بعذابها. لم أجد في مشاهدها القاسية في «أمّي الحبيبة» ما يساوي قسوتها في محوي من حياتها. جعلتني فحسب مستمعًا وكاتم أسرار. قبل الجميع، أبلغتني بخطة فرارها وموعدها. وقبل أن تحطّ في نيويورك وتفرش طريقها بالورود إلى هوليوود، أودعتني سرّها الأخير أنها اختارت اسمها الفنّي بنفسها، قريب من فايزة الضنّاوي وبعيد عنه في آن واحد. حذفت الحرفين الأخيرين من اسمها الأوّل فصارت فايزة «فاي» وأزالت أل التعريف وحركة الشدّة على النون من اسم عائلتها فصار «دنواي» بدل «الضنّاوي».يا دنيا يا غراميمدخل حي محيو اليوم (الصورة: محمد سويد)وأنا بعيدٌ وبعيدٌ منها، عجّل الله فرجي، أقدّر شجاعتها في طيّ صفحة ماضيها ونسيان حيّها وعبدها العاشق رامي زيتون. كفاني أنها احتفظت برقم هاتفي المنزلي. طوال غربتها، لم تذكر بيروت إلّا مرّة واحدة اقتضاها حوارها في مشهد وحيد من فيلم «الشبكة»، شمل بيروت ضمن الحروب الدائرة في العالم. ولم تذكرني قطّ. بلى تذكّرتني مرّةً من دون أن تراني أو تكلمني. أهدتني تذكارًا أرسلته بالحقيبة الدبلوماسيّة إلى السفارة الأميركيّة قبل أسابيع من تفجير مقرّها في عين المريسة. اتصلت بي إحدى موظفات السفارة وأعطتني موعدًا لتسلّم طرد بريدي توانَيْتُ عن فتحه حتّى رجوعي إلى البيت. لا رسالة فيه ولا شيء، خلا ملصق فيلم فريتز لانغ «لن تعيش سوى مرّة». لا أعرف كيف تُحسب المرّة في عدّاد الزمن. أكثر من مرّة، عشت معها، منذ كانت طفلة صغيرة، منذ غضّت، منذ رقّ جلدها، منذ ظهر دمها، مذ شببتُ إلى أن دببتُ على عصا تنتظرني دومًا لزيارة طَلَلها. أكثر من مرّة، عشت ذكراها. ومرارًا مُتّ مرارةً. «الدنيا أمد والآخرة أبد»، قال ابن أبي الدنيا في كتاب «الزهد». وبالفعل، ذهب معظم مَنْ عاشوا وعرفتهم في حيّ محيو إلى خواتيم الأبد. لم يتحمّل جميل الضناوي نكساته. أغلق دكّانه وانتقل وعائلته إلى جهة مجهولة من دون أن يودعنا. جاءت الحروب وتوارى كل الطيبين والنصابين والمتنمِّرين ممّن تلوتُ أسماءهم. بعد عذاب أليم مع المرض، ماتت أمي. بتُّ وحدي.ظللتُ أتردّد على الدكتور سهيل إلى أن خرف وأودعتْه سكرتيرته ضرّابة الإبر، إنعام، مأوى العجزة في منطقة صبرا. تغيّرت الوجوه واكتظ الحيّ وشارعا الحاراتي وعمر بن الخطاب بسيارات وعمارات بناها أثرياء إفريقيا. عندما ترك أبي ضيعته، وعدني بالمدينة، فإذا بالمدينة تصبح ضيعتي في حيّ محيو. غريبٌ بقاء اللافتة الزرقاء للحيّ حيثما عُلِّقت وسُمّرت في جدارها منذ عقود. عمرها أزْيَد من أعمار مَن سكنوا رحابها أو عبروها. صمدت. صدّت حروبًا ودكّات ورعبات وهزّات أرضيّة وكوارث. أنقذتها الأعجوبة، مثلما أنقذتني مناعتي من الكوڤيد. مناعتي ليست جسدي. بل ذكرياتي. الصور مرهمُ جروحي. بعدما بلغت من الكِبَرِ عِتِيًّا، مرّنت نفسي على زيارة صور قديمة، مطويّة في مغلفات مصفرّة، بينها أوراق ورسائل ومنشورات، أعيدُ ترتيبها في الخزائن وتوزيعها في مغلفات جديدة نقلتها من أدراج مكتبي إلى رفوف غرفة نومي. أدمنت الأمر، جعلته رياضة منتظمة روّحت عن نفسي وقت الحاجة. قبل ثلاثة أعوام، ناهزت الثمانين وللمرة الثمانين، ربّما، أخرجت أسراري من أوكارها ورتّبتُها في نسق مختلف عن آخر مرّة. سحبتُ قصاصات صحافيّة من مغلف مهترئ وفرزت المطبوعات الأجنبيّة عن العربيّة، طالعني عدد خاص من مجلة نيوزويك وعلى غلافه صورة بنت الضناوي التقطها تيري أونيل في حديقة منزلهما غداة فوزها بأوسكار أفضل ممثلة.غدوة الأوسكار، بعدسة تيري أونيل.تحرّكت أنفاسي وتألمت، تأوهت وتنهدت. خفت أن تنال الآه من ضعف قلبي وعضلته. أصابني ما يصيب الطاعنين في السن من تكاثر الأمراض واستفحالها في وحدتهم. ما خفت من ضعف قلبي. خفت على مكوثها في قلبي. فكّرت أن الأنسب نقلها إلى العضو الأسلم في جسدي. من فحوصاتي الطبيّة الأخيرة، تأكدت أن كبدي في أسلم حال. عملًا بخرافات القائلين إن مركز الحب في الجسد هو الكبد وليس القلب، نقلت مكانها من قلبي. أصبحت قطعة من كبدي. ما تبقى من منزل الضناوي وعمارته (الصورة: محمد سويد)لن أتوقّف عن تفقُّد بيتها المهجور. صباح اليوم، قصدتُه. وأنا أصعد سلالم المبنى، تعثّرت. هويتُ حتى خبطت بالأرض وشعرتُ بكسر ما في جسمي، أقرب إلى كسر الخاطر لرجل من عمري. توجّعت. ربّما لن يعود في مقدوري الصعود إلى بيتها. مشيت بخطى بطيئة متثاقلة نحو بوّابة المبنى. لمحت بائعًا يسوق عربته وينادي، آكي يا دنيا. ويا دنيا، يا غرامي،ويا فايزة يا دنيايْ يا ضَنَايْ يا دنواي، سلامٌ عليكِ أينما كُنتِ، وسلامٌ عليّ يوم أموت ويوم أُبعثُ عاشقًا
11 minutes
الحبّ ليس شِعرًا ولا موسيقى. الحبّ عطف وحنان وتعلّق— بتصرف عن رواية وفيلم «التدبير»، كتابة وإخراج إيليا كازان.علّمني أستاذ العربيّة في صف السرتفيكا أن أستهلّ موضوعات الإنشاء بوصف الطقس والطبيعة. على نيّته، توكّلت وشرعت، فكتبت:النهار رائق مشرق. أغراني ربيعه. أوهمني أنه سيصحبني إلى آخر المشوار، فإذا بهَبَّات هواء ساخن تلحفني وتلفحني، تلسعني، تحرقني، وتتبخّر صاعدةً إلى السماء مُحيلةً زرقتها غيمًا رماديًا، حجب نورها وقَلبَ آذارها تمّوزًا صبّ جام حرّه عليّ. خدعتني الشمس. أسدرَت بصري، خضّت جسدي وضخّته عرقًا فاض وسال وانثال من مسامّي وتسَبسَب في أطرافي وكامل أعضائي، الحميم منها خصوصًا. أنا المهاجر الهجير في هاجرة المدينة، قطعت المسافة مشيًا من رأس النبع إلى صخرة الروشة. الدكتورالسر خلف النظّارتين (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)عملت بنصيحة طبيب تردّدتُ إلى عيادته منذ حلوله في حارتنا وحتّى تقاعده هَرِمًا فاقدًا الذاكرة والخُـلّان. أتذكّر زيارتي الأخيرة له. حدثت في أمس بعيد. درهم وقاية خير من ألف علاج، قالها كمن اكتشف البارود، ثم وضع سماعته على صدري وأصغى إلى دقات قارع الطبل الصغير القابع وسطًا والمائل يسارًا. مثل رقص الدراويش، استدار ناحية ظهري. استكمل فحص نظام التنفس. ابتسم وطمأنني، المايسترو تمام والفِشّة ألماظ. في لغته، المايسترو قارع الطبل وهو القلب، والفِشّة، جمعها فِشش، وهي الرئة. ختم معاينته بمفردة تركيّة، عفارم، ألحقها بأخرى، صاغ سليم. نبّهني إلى أن المايسترو غدّار. نصح لي بالإكثار من المشي وتخفيف الوزن منعًا لسكتة مباغتة. وللأمانة، ما قال سكتة، بل جرحة، وفق تعريف الذبحة القلبيّة في الألسنيّات البيروتيّة.أنشأ الدكتور سهيل فتحة عيادته في وسط شارع عمر بن الخطاب. استأجرها، عام 1957، بمبلغ معقول قياسًا إلى مساحتها. مئة وثمانون مترًا مربعًا بمئة وعشرين ليرة شهريًا. توفيرًا لمصاريف الإقامة والتنقّل، تحوّلت عيادته مبيته ومنامته. قسّمها إلى شقتين منفصلتين، واحدة للسكن وثانية للاستقبال. عاونته في تنظيم عمله ومواعيده إنعام شبارو، نابت عنه في غيابه وتابعت علاج المرضى في منازلهم عند الحاجة. ممرّضة خبيرة، ضرّابة أبر شاطرة، خفيفة اليد، ناعمة الأنامل، ما من طيز في رأس النبع إلّا ونعمت بشكّة إبرتها. عرفتهم جميعًا من مؤخراتهم، وربّ عملها منهم. رأس النبع عزيزة على قلب الدكتور. سخا بذكر أهلها بالخير. ابنهم البار، عَدّ نفسه، وشملهم بالعطف والرأفة متنازلًا عن أجره في مداواة الفقير. تعلّم من طبيب يهودي تدرّب لديه في باب إدريس مقايضة فاتورة العاجز عن الدفع بثلاث بيضات. ما أندَره. قصدوه على اختلاف علّاتهم ومللهم، دقّ بابه متمارضون تنابل طلبًا لتقارير طبيّة تريحهم من الذهاب إلى العمل وتلزمهم البقاء في الفراش. طبيب شامل، متعدّد الاختصاصات. موجود ومتاح في شتى الأوقات. رخيّ البال، رحب الصدر، سهل المعاشرة ومسهّل الأحوال. «خوش بوش». ما أسرعه في تشخيص الداء ووصف الدواء. ما أحلى الروشتة من يده. كتبها بخطّ بديع. المأثور عن الأطباء أن خطوطهم تشبه خربشة الدجاج. اختلط عليّ جمال خطّه. أثار إعجابي ومخاوفي معًا. لَعِبَ الشيطان بعبّي. شككت في علمه وجدارته. خطر لي أنه ما عرِف قبيلًا من دَبير. «الدكتور سهيل أ. فتحة، طبيب عام»، أورد العبارة في لافتة عيادته وزيَّدها بمعلومة «عضو البورد الأميركي، جامعة فيلادلفيا». أشهد ورأس النبع قاطبة أنه طبيب. ومرخّص. عضويّته في البورد زلّة لسان منحته شرف العضويّة في جامعة فيلادلفيا، كذبة بيضاء مضت على خير، نفد منها بجلده وما أضَرَّ بسمعة الطب. بيت الضيق يسع مئة صديق. والبورد فسيح وكافٍ لضمّه. من حقّ دكتوري العزيز اعتراف العالم الحرّ بفضائله. قضى أربعة وأربعين عامًا في عيادته، محجمًا عن السفر، منكبًا على عمله. نمّى خبرته بتؤدة وطول أناة. برع في تجاوز اختصاصه، الأصح، برع سكّان محلّته في إخراجه عن نطاق اختصاصه. توافدوا إليه بأوجاع الصدر والظهر والمعدة وصداع الشقيقة، والتهابات المرارة والمصران والزائدة والبواصير. إن أخطأ في التشخيص أو أصاب في العلاج، العلم عند ربّه. منعه ضميره من رفض الحالات الطارئة. رجالًا ونساءً، أطفالًا وشبّانًا ومسنّين، استقبل الموجوعين وشفاهم بما قُيّض له من مهارات وعلى ما قُدِّر لهم من أعمار. اعتبر نفسه نبراس الطب. توقّع تكريمه بمقعد في البورد الأميركي. تأخّر التكريم. يئس. أخذ الأمر بيده. كافأ نفسه بنفسه وأحرز عضويّته من دون منّة الولايات المتحدة. كان جلّ غايته من البورد دفع أبناء شارعه إلى رفع ضيمهم عنه. ناكدوه. عيّروه بترعرعه في حارة الغلغول. حرام. اسمه إثمه. هزأوا من اسم عائلته، فتحة. نادوه «ضمّة»، وأحيانًا «كسرة». «أخذ كسرة» على التجريح. سكرتيرته إنعام شاهدة على ما لقيه من جحودهم. بسُط يده بالمعروف إليهم. أطلقوا عليه نعوتًا مهينة، أرحمها «الدكتور غلغول». ظلّ في عرفهم غريبًا. فمن وفد إليهم، ولو جاء من قلب العاصمة، غير مرحَّب به. ميّزوا رأس النبع عن بيروت. وميّزوا أنفسهم عِرقًا صافيًا أبيًّا. تسوّروا في منطقتهم. ما فكّروا في مغادرتها إلّا تمضيةً للعطلة الصيفيّة في «الجَبِلْ» بحسب لكنتهم البيروتية، أو هربًا من نوائب الحرب وضيق ذات اليد إلى المَهَاجر المتاحة في أربع رياح الأرض. عسُر عليهم ترك الدار والديار. الهجرة عُسرة، كدّرت حياتهم. رأس النبع مكرمتهم، أوسع من منطقة، أكبر من بلد. إنها البلاد. غنجوها. تغنّوا بياسمينها وعطر ليلها، وغالوا في حفظها من الدخلاء وزحف الزاحفين. نصبوا أنفسهم، ولاة، سادة، وملّاكين.تسريحة الخد (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)المختارقَصَرتُ عن امتلاك أرض والمناكفة في حصر إرثها في شخص دون آخر. آخر همّي أن أملك أو أتملّك. «الملك لله»، لافتة عُلقت على دكّان اتخذه أبو الروض وابن الجمل، رضوان الجمل، مختار محلتنا، مكتبًا لتخليص معاملات رعيّته. عندما بلغت الخامسة والعشرين فكرت في شراء ڤولكسڤاغن طراز بيتل، الخنفساء. احتجت إلى إفادة سكن ألزمتني الذهاب إليه مرغمًا. لقيته ينظّف أسنانه ويدلّكها بعود المسواك. نهض وشدّ على يدي تاركًا عوده متدليًا من بين أسنانه المسوّسة. حسنًا فعل في إشغال فمه بالمسواك. جنّبني رائحته وقبلته المفعمة بالغازات المتسرّبة من كهف حلقه. أهلًا وسهلًا بالجار، حيّاني، تفضل، أجلس. بادرني بفتح حديث الحي والبيت والجيران. طاولتني غمزة عينه بسؤال عن آل الضنّاوي وأحوالهم. على زعمه، أراد الاطمئنان. سؤاله غير بريء. أراد جسّ نبض قلبي لو تحدثت عن ابنتهم فايزة وغيبتها الأميركيّة. تجاهلتها. همهمت وتلبكت. طمأنته أن الضنّاويين في خير. أشكّ في أنه سمعني جيّدًا. سمع ما أضمره سرًّا. أربكني ابن الذين. بغمزة عين أخرى، أفهمني أنه فهمني. عجّلت بطلب إفادة سكن. ما توانى. باشر في ملء بيانات شهادة السكن. توقف عند اسم المبنى ومالكه ورقم الدَّوْر. خانته ذاكرته. أسعفته: مبنى منير طبش بملكه، الدَّوْر الثالث. أحسنت. كيفك انت ومنير؟حيّدت منير عن السؤال وطرقت صلبه. صارحته أن تملُّكَ بيت في الجنّة أهون من استئجاره في رأس النبع. أستغفر الله، قال، الملك له. ما من مالك يحب المستأجر، أردفت، ولو عرض عليه المستأجر شراء مأجوره، راودته الظنون واختلق أعذارًا تجعل التراجع عن عرضه فضيلة. صاحب الملك غريب. يفكّر في المال والربح، يتأنّى في اختيار المستأجر. وإذا اختار، لا يتحمّل تأجير شقته إلى شخص غريب أو بيعها منه. يكره رؤية اسم غيره على زرّ جرس المنزل. خوفه محيّر. من آخرها، هبّ أبو الروض، مدافعًا عن أبناء جلدته. عزا مخاوف أصحاب الملك البيارتة إلى خشية وقوعهم في أخطاء أسلافهم. باع آباؤهم أراضيهم بتراب المصاري. خذهم بحلمك، قال، وختم كلامه بختم إفادة السكن. وضع المسواك جانبًا. من جاروره، أخرج طابعًا أميريًا، بلّله بلسانه، ألصقه بأسفل الإفادة ومهره بإمضائه.شو جاب الطزّ للمرحبا؟ استهلّ المختار مداخلته بسؤالي عن منير طبش. حدّثته عن رأس النبع. ردّ عليّ ببيروت. كان الدكتور سهيل فتحة بيروتيًا ولم يسلم اسم عائلته من النبذ. جرّسه الدهر وغرّبته رأس النبع. انطبقت غربته على جميل الضنّاوي وكامل زيتون، أبو رامي، أبي. وفدا تباعًا من محلّة قصقص المجاورة وقرية خرطوم، الجنوب. اختلف جميل عن الدكتور بعدم السكوت. وتمتع أبي بهيبة توفرت عليها طبيعة مهنته. استفاد تجّار المنطقة من خبرته في المحاسبة. عمل خارج دوامه الرسمي مدقّقًا في دفاترهم. لقّبوه «الأستاذ». وقّروه، ربمّا مكافأة على أمانته في كتم أرقام ثرواتهم وأسرارهم. لا صاحب لصاحب المال إلّا محاميه وماسك دفاتره، قال أبي. كان جميل أحوج منه إلى استعراض القوّة. أزعر الحيّ، أمجد شبقلو، مرّ بدكانه يومًا وناداه، شو يا قصقص، زجره لاعنًا حلّه ونسبه. لحقت به ابنته فايزة، كائلة الشتائم والصراخ. أرعبت أمجد. طردته من الدكّان.الزفافيزورونني صورًا تمضي في لمحة برق. أعود طفلًا ولدت حكايته قبله. اشتغل والدي محاسبًا في شركات زراعيّة صغيرة. في بواكير الحرب العالميّة الثانية، غادر الجنوب إلى بيروت. عندما سألته لماذا ترك الجنوب، أجاب باقتضاب، إذا شئت المستقبل، ابحث عنه في المدينة. «البنك السوري» أقدم المصارف المحلية، أصدر العملة لسوريا ولبنان منذ تأسيسه عام 1919. مع إعلان دولة لبنان الكبير، عام 1920، وانتهاء امتيازه، عام 1924، تغيّر اسمه إلى «بنك سوريا ولبنان الكبير». وتحوّل، عام 1939، إلى «بنك سوريا ولبنان». التحق أبي بمقرّه الرئيسي في عين المريسة. نال فرصة عمله في سرعة مذهلة. كأن هجرته البيروتيّة فاتحة يُمن وأبواب. بعد ثلاثة أعوام من استئجاره شقّة صغيرة في كرم العريس، وسط حوض الولاية، تحسّن راتبه. تزوّج وانتقل إلى شقّة أوسع في منطقة أفضل. حمل وأمّي عفشهما إلى رأس النبع في أيلول 1942. كنت جنينًا في شهري السادس. وكانت فايزة الضنّاوي طفلةً أنهت حَبْوَها وراحت تمشي. أبوها جميل، كَوّى، وحيد أمّه عتاب الغالي، طلّقها زوجها قبل شهر من ولادته. ربّاه خاله ولقّنه مهنة الغسل والكيّ مبكّرًا في صباه. عند بلوغه العشرين، فاتحته عتاب بالزواج. ابتغت حمايته من الرذائل أولاد الحرام وسوء معشر اللعوبات. تمنّع. وأصرّت. عرفت كيف تليّنه. تمنّت عليه ألّا يكسر خاطرها. بدّك ياني موت وما أفرح فيك، قالت. أطاع. الخطة جاهزة. طبختها جيّدًا في رأسها. شاءت لابنها عروسًا جميلة، أكبر منه ولو بسنة أو اثنتين. فارق السنّ، مهما كان قليلًا، مهمّ في رأيها الغريب العجيب. كلّما كبرت المرأة، ارتقت أمومةً. وكلما صغرت، أغواها الغنج والتبرّج والتطلّب وتدلّه زوجها في التعلق. فتشت رأس النبع حارة حارة، التقت فتيات تحت النصيب، ولا واحدة منهن استوفت معاييرها. تدخلت زوجة أخيها، رجاء السردوك، عرّفتها إلى جارتها دنياز وابنتها ألحان. دنياز قره شاي، شركسيّة الأصل، من بلدة بئر العجم في الجنوب السوري. عام 1923، أتمّت الخامسة عشرة. تزوجها اللبناني كريم جنيناتي، صاحب معمل حديد في بيروت. غداة عرسهما، غادرت سوريا للعيش مع كريم في المنزل الموروث تباعًا من جدّه وأبيه في كركول الدروز، بيروت. قلّت زياراتها لأهلها في غضون الحرب العالميّة الثانية، وتقلصت بعد الحرب إلى مناسبات معظمها واجبات عزاء وحفلات أفراح. انشغلت بالإنجاب وتربية الأولاد. زارتها القابلة وداد المعلم ثماني مرات، أثمرت خمسة صبيان وثلاث بنات، أوسطهن وأحلاهن ألحان، ثلاثة وعشرون عامًا. عروس حفر وتنزيل. براڤو عتاب. صَبَرَت فنالت. أصابت عصفورين بحجر. فتاة مليحة، أكبر من ابنها بعامين. ضربت الحديد حاميًا. طُلبت يد ألحان مساء خميس من خريف 1938. وفي ليلة الجمعة، من الأسبوع التالي، قُرئت الفاتحة وخُطِبت إلى جميل. كان في ودّ أم جميل حرق المراحل وكَتْب الكتاب يوم الخطبة. آثرت دنياز إعطاء الوَلديْن مهلة للتعارف أكثر ولدراسة أخلاق بعضهما بعضًا. الزواج مسؤوليّة. والخطبة فرصة مفتوحة للتراجع. لم يتراجع أحد. قرّبت الزيجة المدبّرة الأفئدة وعزّزت الأواصر. تعدّلت الروزنامة. قُدِّم موعد العرس من أواخر صيف 1939 إلى أوّله. تكرّم أحمد الغالي واستأجر على نفقته قاعة حفلات تابعة لجمعيّة مكارم الأخلاق الخيريّة الإسلاميّة. تأهل الخطيبان برضا الوالدين وربّ العالمين وشفاعة الرسول وآل بيته أجمعين. رُشَّ العروسان بماء الزهر. نُثر القرنفل بلونَيْه الأبيض والأرجواني. وعلى فَيْح القاعة وزحمة الأنفاس، تطيبت روائح العرق السائل من مزاريب الآباط والأعناق وموازيب الصدور بمرطبات الأجساد وعبير كولونيا عماطوري 114، فخر الصناعة الوطنيّة لصاحبها ومخترعها جوزف عماطوري، شيخ العطّارين في سن الفيل وعموم بلاد الأرز.في لحظةٍ ما (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)تحلّق الحفل حول طاولة عَمَرَت بقالب كاتو من ستّ طبقات امتدّت حولها أطباق المفتَّقَة المزيّنة بالصنوبر، وأقراص معمول الجوز والتمر والفستق، وكاسات المهلبيّة والقشطليّة والرز بحليب الـمُطعّم بمسك الغزال، وأباريق شراب الورد والبرتقال، والليموناضة مصحوبةً بالكعك القرشللي ومعزّزة بمكعبات الثلج. خلت السهرة من الموسيقى. تحفّظت نساء عن المشاركة في الأهازيج. مكثنَ في كراسيهنّ جالساتٍ الساق على الساق والمناشف تستر المكشوف فوق رُكَبهنّ. على قدم وساق، زغرد المدعوّون. شبّانًا وفتيات، أطفالًا ورجالًا رقصوا وغنّوا وعزفوا بضرب الأكفّ، أكاپيلا لو كنتم تعلمون.بلا طبل ولا زمر، زُفّت ألحان إلى بيت حماتها في محلّة قصقص، حيث ولد جميل ورَبِـيَ وشبَّ وقوِيَ عوده. قبل يوم من عرس ابنها، اتصلت بخادمة منزليّة تدعى ثَبَات، كرديّة يهوديّة سوريّة وتعمل بالساعة. طلبت منها مساعدتها في تجهيز البيت لاستقبال نجلها وعروسه. لعتاب معزّة خاصّة عندها. تلبية لطلبها، ألغت موعديَن مسبقيَن وانكبّت ملء القلب والنهار على تنظيف البيت. فرشًا وأثاثًا، رتّبته. شطفت الأرضيّات، فركت البلاط فركًا، حملت السجاجيد والبُسُط إلى الشرفة، نفضتها ضربًا بالمطرقة. عقّمت أسطح المطبخ. جلت الصحون والطناجر، الأواني وأدوات الأكل والشرب. نقعت الملابس المتسخة والنظيفة على السواء. غسلتها دعكًا باليد، جفّفتها ونشرتها على الحبل. رفرفت. عن بكرة أبيه، طُهِّر الحمام. أزيلت القاذورات الصغيرة المترسّبة في بالوعة حوض الاستحمام ومصفاة المغسلة. اقتُلع الشعر العالق في الليف. غُيِّرت المناشف. واستُبدل صابون الغار البلدي، «ص. ع»، بالبريطاني الأحمر، «لايف بوي». بورق الجرائد، نُظِّف الزجاج ولُمّعت المرايا. برق البيت برقًا. رضيت عتاب عن عمل ثَبَات. تركتها تستريح. وانفردت بغرفة نوم ابنها. أولت سريره عناية فائقة. استعانت بالمنجّد فخري الكوش في تبطين فراشه وحشو وسائده بالريش. غطّته بمُلاءة ولحاف وشرشف مزركش بنقوش دائريّة متماثلة يتوسطها رسمٌ متكرّر لوردة حمراء. وجاء كهربائي الحيّ، المعلّم يوسف التنّير، وفي يده مروحة بأربع شفرات أوصته بابتياعها من محل صهره عدنان بلّوز، ثبّتها في السقف وشغلّها. دارت أمام عينيها. اطمأنّت. زادها فضلًا بتركيب لمبةٍ نوّاصة مجانًا فوق باب الغرفة من الخارج. وأنهت لمساتها الإبداعيّة بملء خزانة ابنها بقمصان وسراويل داخليّة جديدة، اشترتها من سوق سرسق وأكثرت منها إكثارًا من فرحها بليلة دُخلته وشهر عسله. عشيّة زفافه، ارتأت إخلاء البيت موقتًا. اتفقت وشقيقها أحمد على قضاء شهر في داره. وما كادت تقفل الباب حتّى تذكّرت أمرًا أعادها وخادمتها إلى غرفة النوم. بخّرت السرير بعطر العود، شمّته بنفس عميق حملها إلى رائحة الجنّة، وأذهَبَ عنها غصّة فراقها عن ابنٍ وهبتْه بيدها إلى امرأة أخرى.السوتيانبعد عام على زواجهما، استقبل جميل وألحان مولودهما البكر. أنثى. أخرجتها القابلة وداد برفق شديد في حضور والديْها وجدّتيها. تحاملت ألحان على ألمها وقبّلتها. حملها جميل، هدهدها، مرّرها إلى دنياز وتلقّفتها عتاب حاضنةً، هامسةً، مؤذّنةً، مُكّبِرةً في أذنها اليمنى، الله أكبر، الله أكبر. ولـمّا انفردت بابنها، سألته ماذا نوى أن يسمّيها. التمس تبريكها باسمها. تطيّرت. أحست بدنوّ أجلها. الاسم كالإرث، يؤخذ من الميت ولا يعطيه الحيّ. احترم جميل شعورها. ترك لها تسمية طفلته. قلّبت أفكارها وتمهّلت في الردّ حتى خرج الدخان الأبيض من فمها. فايزة، قالت، على اسم أمّي المرحومة. غصّ بيت الضنّاوي بالمهنّئين بولادتها. جيران وأقارب وأحبّة، تقاطروا. أكلوا المغلي مكلّلًا باللوز والفستق ودقيق جوز الهند. وفي شهرها التاسع، احتفلوا ببروز أسنانها اللبنيّة. سُلِق القمح ومُزِجَ بالسكّر وماء الورد، ذُرَّ عليه حبّ الرمّان والصنوبر والذرة، حلوى خاصّة بالمناسبة، «سنينيّة»، تدعى أيضًا «قمحيّة». حضر المهنِّئون أنفسهم باستثناء الحاج رشيد قنطار، مختار محلّة قصقص، وافته المنيّة في قيلولته قبل أسبوع. أكلوا عن روحه وواصلوا الإجهاز على السنينيّة. الأطفال مساكين. إذ نفرح بهم، يبكون. بين ولادتها وتسنّنها، توجّعت فايزة. أفصحت عن ألمها بالبكاء. لسانها دمعها. في المناسبتين، ذهبت الحلوى من نصيب المهنئين. فما أكلت المغلي ولا ذاقت طعم السنينيّة.تمنّى جميل أن يُطعَمَ بصبيّ. مَنَّ عليه المنّان ببنت واستقبلها شاكرًا. أنشأته عتاب تنشئة طوّعته بالصبر والتقوى والقبول بالمكتوب. كل شي من الله حلو. وكانت حلوة. غمّدها برغبة أمّه وذكرى جدّته وسمّاها فايزة. غمرها بدلاله. بعد نهاية الحرب العالميّة الثانية وخروج أميركا إلى العالم، ألحقها بمدرسة تعلّم اللغة الإنكليزيّة، ليس إيمانًا بمستقبل الإنكليزيّة وإنّما إعجابًا بالسينما الأميركيّة وأفلام رعاة البقر. كبرت نُصبَ عينيه. لم يثنِه تسليمه بمشيئة ربّه من تربيتها بمزاجه. ألبسها البنطلون وربطة العنق وقبّعة الكاوبوي. أحبّ شعرها قصيرًا. قصّه كلما طال. اكتشفت فايزة أنوثتها متأخرة في سنّها الثامنة. أرادها جميل على شكل صبيّ تمنّاه وافتقده. وعلى صورته، حقّاوية، لا تسكت عن باطل. وحين شفي غليله وأنجب وليّ عهد ذكرًا، سمّاه أحمد تيمّنًا بخاله، ثابر على التحكّم في مظهرها. انتبهت ألحان. كفّت يده. تركته ينشغل بالصبي وتفرّغت للبنت. ألبستها الفساتين والتنانير والقمصان الحاسرة عن النحر والذراعين. زيّنت أذنيها وجيدها الطويل ومعصمَيْها الأملسَيْن بالقبّعات وأقراط الحلق والقلادات والأساور. نسيت فايزة زيّ راعي البقر. أبهجها الماكياج ولبس النساء. روّحت عن نفسها ولاطفت مزاجها وراوغت حزنها بالتبرّج وارتداء الملابس. لَبِقَت في اختيار ألوان الثياب. نمّت إحساسها بجسدها. ولـمّا طال شعرها وسدل، استحلت تسريحه وتفريقه وعقد جدائله وإسقاط خصلة منه فوق عينها اليسرى وملاءمته بالقبعات. تفنّنتْ في صبغه وعشقتْ شمّ رائحته. عند ولادتها، كان لونه قمحيًّا. مع الوقت، صار كستنائيًّا على أشقر خفيّ أخّاذ. وتمازج الأخضر والأصفر حول بؤبؤ العين. تلوّنت بلمحات من جمال جدّتها دنياز وملمحها الشركسيّ. نقلت ألحان إلى ابنتها ما تعلمته من أمها، ألّا تخجل من رؤية جسدها في المرآة. فما استحت. بلى. عندما كعب ثدياها، تعرّفت إلى السوتيان. ارتدته. احمرّ وجهها. أطلقت ضحكة حييّة، خفتت وتلاشت. هالها أن تراهما صغيرين. حتّى سنّ العشرين، راقبت نموّهما. ما سَرَّها ما رأته. لن يكبرا، ظنّت. جرّبت سوتيانات من شتّى الأصناف والألوان، علّ طرازًا أو لونًا أو قياسًا معيّنًا يُفسِح بروزهما بما يتناسب وعمرها. ظلّا صغيرَيْن، عَيْبَيْن كبيرين جاثمين على صدرها، تسترهما سوتيان. كرهت حمّالات الصدور ورافعات النهود. تركت نهدَيْها يُفلتان من السوتيان رخيين يسرحان ويتمايلان جذلين، ينزّان عرقًا تمتصّه كنزة شَفَّت بهما واهتزّت بحلمتيهما اللاهيَتين نكزًا ونقرًا، يَمنةً ويَسرةً. ما نفع السوتيان بلا نهدين؟ سألتني. بل أخجلتني. وأرعشتني. نجمي خفيف. يأخذني الناس على بساطتي. مهما قالوا وسألوا، لا أردّهم خائبين. أوافق وأصدّق. نعم، صدّقتها، لا سوتيان بلا نهدين. عام 1923، خلعت المصريّة هدى شعراوي الحجاب وأثارت عاصفة في العالم العربي. وفي عامها السادس عشر، خمسينات القرن العشرين، خلعت فايزة جميل الضنّاوي السوتيان ومرّ الحدث مرور الكرام في رأس النبع وعموم بيروت. انحصر في تلصّص أصحاب العيون البيضاء على قمصانها الشفّافة. انهالت عليهم سبابًا ولعنات. زعران، أولاد حرام، بلا مربى. طأطأت رؤوسهم بالعار. على منوالهم، تلصّصتُ. استثنتني من الشتائم. كانت تعلم أن قصدي شريف. ولغاية في نفس يعقوب، حرّضتني على اختلاس النظر. ضبطتني مرارًا بالجرم المشهود. وما اكترثت. انتظرت منّي أن أفكّ عقدة لساني وأفصح عن وطري. ولـمّا أفصحت، تمنّعت. لم تُرِني نهديها. رأيتهما عاريَيْن في أفلامها بعد سنين من فرارها إلى نيويورك. لا تسألوني عن رأيي. شهادتي فيهما مجروحة جرحَ قلبي على ما كان ملمس أمل وغدا ملمس ألم. اللمس نعمة، حاجة أكثر منه حاسّة. يمكن تصوّر حياةٍ بلا جنس، ويستحيل تصوّر حياة بلا لمس. حين لـمـسَت نهديها ورأتهما صغيرين في المرآة، بدأت حياتها تتغيّر. بين خلع الحجاب في مصر والسوتيان في رأس النبع، عرفت الحريّة سبيلها. انطلقت من الرأس واستقرت في القلب. الحجاب وشاح العقل. والسوتيان لذّة العين ورفيق الجسد. أدّى خلع الحجاب إلى تحرّر العقل. وأسفر خلع السوتيان عن تحرّر الجسد. نزع السوتيان أمضى من نزع الحجاب. وفي حين خرجت هدى شعراوي إلى العلن والإعلام وأعلنتها ثورةً على المجتمع، استفردت فايزة الضناوي بالمرآة وأخمدت ثورتها في جسدها. تصالحت معه. لم تعد تخجل من نهدَيْها. أطلقتْهما وانطلقت. آمنت بالمرآة، بالصورة، صُورتها. آمين.«الصوّارة»غفُل عنها أنها والصورة توأمان. ولدا معًا. ما من شيء ألهاها عن البكاء في طفولتها غير الانبهار بفلاش الكاميرا وسماع تكّتها تؤطّرها في لقطة. أرتْني صُورًا في أعمار متفاوتة سرقتها من أهلها وخبّأتها في علبة بسكويت معدنيّة. أخبرتني قصّة كل صورة في وقتها وزمانها وكأنها حلقة مستقلة من مسلسل فصليّ، سبقت عرض فيلم طويل على الشاشة. تراوَيْنا بالصور. أخذتُ عنها أسلوبها في السرد، المستلهم، ربّما، من رواحنا المعتاد إلى سينما كريستال ومتابعتنا الدؤوبة لمسلسل «فلاش غوردون». روت الأشياء كما رأتها، ورويتُها متصرِّفًا في وقائعها. أعجبتُها في تخيُّل الأشياء على غير حقيقتها. جاملتني بخيالي. وعيناها الخيال كله. منهما ارتويت ورَوَيْت ما طاب من حكايات وأحلام. الحلم أحلى من الخيال. وحلمها الأوحد، كان، أن تصبح نجمة الشاشة والجماهير، قوت قلب المتيّم ونور عتمته في ليالي أرقه.ملصق «جوني غيتار» (1954) (الصورة: أرشيف محمد سويد)آه من السينما. كانت البطاقات البريديّة المرسومة والملوّنة باليد، أو المنسوخة عن صور نجوم الفن وملصقات الأفلام تجارة مزدهرة في أيّامنا، حفلت بها واجهات المكتبات الشعبيّة وبسطات الصحف والمجلّات. تَنزَّهْنا يومًا في ساحة البرج. مررْنا أمام مكتبة صغيرة، على رصيفها بسطة مفروشة بالكتب المستعملة والبطاقات البريديّة وأعداد قديمة من المجلات الفنيّة. استمهلتني قليلًا للمشاهدة. انتقت بطاقة لملصق فيلم «جوني غيتار»، احتلت بطلته جوان كراوفورد الحيّز الأكبر منه. أخرج نيكولاس راي الفيلم، عام 1954، وحقّق سبقًا في تحويل الكاوبوي من رجل مُعتدّ بذكورته إلى امرأة لا تقلّ إقدامًا وتصميمًا في استعمال السلاح دفاعًا عن نفسها وحقّها. شاهدنا الفيلم، عام إنتاجه وعرضه الأول، في سينما روكسي. وأنا أُلملم ذكرياتنا المشتّتة بين الشوارع والساحات والأزقّة، خلتُ أنّ انتقاءها ملصق «جوني غيتار» جاء من انتحالها زيّ الكاوبوي وعطفها عليه في طفولتها. لكن، لا. انتقت الصورة لأنها صورة جوان كراوفورد. سأكون مثلها، قالت لي، وستسمع الكثير عنّي. انتهزت انشغال البائع مع زبون. لم تُعد الصورة إلى مكانها. لطشتْها. هرولنا لاهثين إلى حصننا ومهبطنا ومربطنا، رأس النبع. آفتُها نشل الصور. استهلّتها بسرقة ألبوم عائلتها. اكتفت بصورها وكفأت عن غيرها. لم تسرقها من قبيل الهواية أو المرض. أرادت الخروج من الألبوم لا غير. يحسب الناس أن الألبوم حاضن الذاكرة. لا. الألبوم حافظ النسيان. انتزعتْ منه صورًا وأزمانًا نشِيَت من خمرة جمالها وتعْتعَها سُكْر مفاتنها. أتقنت ما يسمّيه العاملون في السينما «سرقة الكاميرا»، تشبّهًا بممثّلة محترفة تشذّ عن مجرى التصوير والأداء بحركات وتعابير تخطف نظر الـمُتفرّج ناحيتها وتصرف انتباهه عن شركائها في المشهد، تصرّفٌ فيه من الخُيَلاء ما يداعب غرور نجمة شمّاء لا ترخو الشاشة لأحد سواها. حبّ الصورة من حبّ النفس. لا شريك بينهما. وَحُودَة، بدت. أكانت خلف الكاميرا أم قبالتها، أحبّت أن تصوّرني لا أن أتصوّر معها، أن تريني صوري وتنتشها منّي فورًا. حفظتها في مغلّف أسمر علّمته «أبو الريم»، اختصارًا لاسمي. غداة فوزها بالبريڤيه، أوفى أبوها وعده. مع قبلتين مرصّعتين على الخدّين، أهداها كاميرا، ماركة لايكا، سليلة الرايخ الثالث الـمُنحَلّ. من دون قُبَل، دلّلتني بالصور. أمرتني مرارًا بالسكون والسكوت وقطع النَفَس. وعلى الدوام، انتصبت جثّةً هامدة تُقاوم الدفن بصمودها ثابتة على قدميها. اللقطة برهة بصريّة معلّقة على الرمق الأخير. أسلمتُ روحي إليها راضيًا مرْضيًّا مَرَضيًّا. طاوعت قلبي ممتثلًا لأمرها وإشارة سيدتها الألمانية لايكا. فاضت روحي مع تصوير كلّ لقطة. باحتساب مجموع اللقطات، زفرت أنفاسي ميتات جمّة. لا يحقّ للإنسان بالموت إلّا مرة واحدة. مع بنت الضنّاوي، متُّ مرّات بعدستها. ينزعج الموت من استدعائه لضرورة التصوير في زيارة موقّتة يرجع على أثرها بخِفَّيْ حنين. ليس من خصاله التزاور مع ضحاياه بين آن وآخر. الإتيان به عنوةً إلى موقع التصوير غير قابل للهضم. من تجربتي الشخصيّة، استوعبتُ تبرّم الموت من الصورة وتذمّره من لبوسي هيئة ميت لم تحن ساعته بعد. الساعة شأنه. يأتي ويختفي بإرادته. يغضبه استدعاؤه للحلول كومبارسًا محجوبًا عن النظر في لقطة فوتوغرافيّة. غضبه غير ناجم عن استتاره في اللقطة أو عدم استئثاره بها. حبّ الظهور ليس شيمته. التواري والصمت سمتاه، سببان كافيان لمناوأة الكاميرا ومناوشة مَنْ لفّ لفّها. خاصمها في جميع أنواعها، صامتةً وناطقةً، جامدةً ومتحرّكةً. قبل اختراعها، درج الموت على استهداف الأجسام الحيّة. صدمته الكاميرا. طبيعتها من صلبه، جسمٌ ميت، معمول من معدن ومواد جامدة. أعماه الحقد من استيطاء قَدْرِه ومخالفة شرعه. الموت يُفني الحياة وينفيها عَدَمًا، والكاميرا تصونها عَمْدًا. الموت أرعن. تستضعفه الكاميرا وتجرجره في نذالته. يستجيب. رغبته فيها قاتلة، تنهشه الغيرة، تستنزفه التوافه إلى حدّ نكران ذاته وسلطانه. وضيع. فَاتَهُ أنه قابض الأرواح والغالب القهّار القدير على تصفية خصمه في كَسْرٍ من الثانية. آثر محاكاة البشر في الحسد والكراهيّة. مُقتُه للصورة عجيب واشتباهه في أنّ الحياة تستمر بها أعجب. فما الصورة إلّا موتٌ في حياة. وما حياتي إلّا حيائي. نعم. خجلت من مصارحة حبيبة شبابي الآفل أن لا طائل من إهدار الوقت والأعصاب في تصويري وقطع أنفاسي. جعلتني مخلوقًا من سليلويد، صوّرتني، حمّضتني وطبعتني، حوّلتني تذكارًا من كرتون، ميتًا ينتظر تصبيره في مغلّف أسمر. ما حاجتها إلى كاميرا. عينها كاميرا بؤبؤها بؤرة عدستها، وأنا مأسورها. من صميم عاطفتي الجيّاشة، وبعيدًا من التجرّد، حاكت تعريبًا محدثًا للكاميرا، قرأته في معجم المعاني، «الصوّارة»، كلمة توحّد الكاميرا والصورة وتزيل الفاصل بينهما. فعلًا، لماذا استعملت كاميرا و«أبو الريم» لقطة تجمد في رمشة من عينها وصورة تتحرّك بشَرَر نورها. وسيط المرأة والمرآة، أنا. بين الكلمتين، عشت نعيم الألف المهموزة بعينها والألف الممدودة بلحن النظر إليها، امرأتي، مرآتي، صوّارتي.كامل الأناقة (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)الكوّىفي محلّة قصقص، تفتحت حواسها على شجر الصنوبر ورائحته وتغريد العصافير. سُمّيت المحلّة حرج بيروت. لا حرج. سبحان الخالق، قال جميل كلّما أمتعته خضرة المنظر والحشائش النابتة في ثنايا الأرصفة والجدران الرمليّة. حمد ربّه دومًا على نعمته، عالـمًا أن الحمد والشكر لن يجدياه نفعًا. عليه خفض مصاريفه وتنقّلاته، والاستقلال عن خاله. ولئن أراحه السكن في قصقص، رآها مغلقة على المصالح الصغيرة، متخمة بها ولا تحتمل المزاحمة بمشاريع جديدة. بحث عن منطقة أخرى. فتنته رأس النبع، أرضٌ بكر، موفورة المساحات، قيد الازدهار. اختار شارع الحاراتي عنوان عمله وحيّ محيو، المجاور، محل سكنه.شارع محيو (الصورة: محمد سويد)أنشأ مصبغة عصريّة في نوعها. استفاد من غزو الغسالات الآليّة البيوت وأسواق العالم. تابع أخبارها منذ انتشار ماركتها الأميركيّة الرائدة «بنديكس»، عام 1937، وذيوع «لاوندرومات» اسمًا جديدًا للمصابغ. استثمر مدّخراته من عمله في مصبغة خاله ونقوط عرسه وتحويشة أمه من مصوغاتها، واشترى ستّ غسّالات كبيرة الحجم من وكيل «بنديكس» في جادّة الإفرنسيين، صفّها جنبًا إلى جنب في مصبغته وقسّم وظائفها وفقًا لنوع القماش ولونه. أنفق ثروته على مشروع عمره. استكمالًا لتحضيرات الافتتاح الكبير، استعان بالخطّاط وليد بخاري. طلب منه رسم غسّالة فوّارة بالبخار، تحوطها من اليمين واليسار، وعلى شكل قوس قزح، جملة مركّبة من كلمتين عربيّة وإنكليزيّة، «جميل Laundromat». أبدع البخاري في تصميم آرمة خلبت الألباب. الفضل لجميل وفكرته في دمج اللغتين. أدخل الإنكليزيّة، رغمًا عنها، إلى شارع الحاراتي والأحياء المجاورة عبر اللافتات ويافطات الإعلانات التجاريّة. منذ تعليق لافتة المصبغة، أتت المغامرة أُكلها. نجح ابن الضناوي وكسب الرهان في جذب أنظار المارّة إلى دلوعته «بنديكس». ومن الاستمتاع بمهارته في الكيّ وتعامله برفق مع الأقمشة الحساسة، ازداد زبائنه عددًا. قليلًا ما جلس لتناول الغداء أو لزيارة غير متوقعة من أحد معارفه أو لجمع الفواتير واحتساب غلّته في آخر الدوام. تطلّب عمله الوقوف معظم الوقت. على مرّ الزمن، انتهكته آلام الڤاريز. تحمّل التعب مسرورًا وغيورًا على مصلحته. لم يسأم من فتح دكّانه وغلقه، يوميًا وطوال السنة، بين الثامنة صباحًا والسابعة مساءً. وبالوتيرة نفسها، التزم ارتداء قميص وبنطلون أبيضَيْن، بدا من دونهما رجلًا آخر غريبًا خارج ساعات الخدمة. من المحتمل جدًّا أنه اختار اللون الأبيض رمزًا للطهارة. بعد غسل الثوب وتنشيفه، استلطف جميل نقله إلى طاولة الكيّ وطرح قطعة الشاش فوقها ورشّها بالماء وإمرار المكواة بيد متمرّسة لا تقسو، ولا ترخو، تغازل الثوب على موجات متفاوتة من الحرارة، تحمى، تفتر، تبرد، وإذ تلمس سخونة المكواة ماء الشاش، يهبّ البخار ربّما تنفيسًا عن رغبة حارقة. ما بدا غزلًا انتهى ترويضًا للأحاسيس. البخار كُوّة اللذّة ومسربها. في ذروة أدائه، ترشح مسام الكوّى عرقًا سيّالًا يضطره في أشهر الصيف إلى خلع السترة ومواصلة العمل بالقميص الداخلي. كان جميل يأنف من كشف كثاثة الشعر في صدره وكتفيه. حافظ على أناقة مظهره بالبدلة البيضاء. ملبسه حشمته، جسده شرفه ولا عيب لأنه عرق الجبين والعيش الكريم. أمسك المكواة بيمناه، وحمل فوطة بيسراه مسح بها عرقه، دواليَك، دواليك. أجمل ما في عمله صبره وشغفه. وأروع ما في مصبغته هبّة البخار بضربة ملساء من مكواته. سحرني البخار المتصاعد خيوطًا التفّت حول بعضها بعضًا وتراقصت كأشباح غلبها الشوق إلى دنياها. الرداء المفرود والممدود على طاولة الكيّ ميتٌ، فاضت روحه فيضَ البخار الهائم في غيمة أشباحه. عندما أموت، لا أريد أن أُرمَى عاريًا مكفَّنًا في جورة وأُترَك للتحلُّل بالتراب والحشرات. لا أريد أن ألقى تحت الأرض. أحب أن أطير، أن أتبخّر.وجهان (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)كأنّها كأنّيأزكى الروائح إليّ رائحة البخار. أتحسّسها طعمًا ونكهةً. طبعت المصبغة ذاكرتي. أتذكر جميل وأستعيده في رائحة بخاره. أتذكره واقفًا على طاولة الكيّ، وأنسى ما إذا قعد مرّةً على كرسي. سورة الكرسي وحدها لفتتني معلّقةً فوق صف غسّالات «بنديكس»، وبجانبها لوحة زجاجيّة برونزيّة الإطار كُتِب عليها «يا باسط الأرزاق». ورُزق جميل بصبيَّيْن، أحمد ويزن، تبعا أختهما بعامَيْن وبفارق عامَيْن بينهما. أيضًا، كانت فايزة أسنَّ وأقدم عهدًا مني في الحيّ بعامين. ولدت في 14 كانون الثاني 1940. احتفالًا بعيدها الأول، زامن أبوها افتتاح مصبغته باليوم نفسه من عام 1941. فايزة والمصبغة محظوظتان. يوما ميلادهما معروفان، بينما يوم ميلادي مجهول. سقط من بطاقة هويّتي وحُصر تاريخه في عام 1942. طلع عليّ النور في حيّ محيو. وحيد أمي وأبي، كنت. يَتّمَني رحيلهما في كبري. يشقّ عليّ فراقهما بعد مناهزتي الثالثة والثمانين. حياة الإنسان ليست محدّدة بسنة ولادته بل بيومها في السنة. من دونه، يصعب تفريق بداية السنة الجديدة عن نهاية السنة الفائتة. أعفاني تغييب اليوم عن بطاقة هويّتي من الاحتفال السنويّ بعيد ميلادي في وقت معيّن. استحسنت إرجاءَه إلى آخر السنة طمعًا في أيام زائدة تؤخر انتقالي إلى عام جديد. لا أعرف عن عائلتي الكثير. كان أبي نزورًا في الكلام عنها. معرفتي بآل الضنّاوي أفضل. روت لي فايزة حكاية عائلتها ومنحتني حريّة التصرّف في كتابتها أو اقتباسها فيلمًا. علّقت آمالًا على شحذها بخيالي. الخيال يجلو غبار الواقع، يجمّله، يعظّمه، يحيله أسطورة، تمامًا مثل تحويل السينما القصص الصغيرة صورًا عملاقة على الشاشة.حيرة الأسود والأبيض (الصورة: تمارة سعادة؛ تعديل: حاتم إمام)ألقت على كاهلي مهمّة عسيرة، أن أحوّل خيالي موهبةً في الإخراج السينمائي. من أين يأتي ابن رأس النبع بقدرة بني هوليوود في إنتاج الأساطير. لا مبرّر لخوضي في حكاية عائلتها طالما عشت حكايتها حيّةً، وجهًا لوجه. الفيلم في مكان آخر وبلا أساطير خلا أعاصير العشق. أحببتها قَدْر ما أَحبَّها أبوها وأكثر. أقول أكثر لأنّ أباها أرادها على صورته مثلما تماهى الله في خلقه. بينما أنا، وفي كل آن، تماهيت في صورتها، «كأنّي كأنها»، وضعتُ العبارة الأخيرة بين قوسَيْن لئلا أُتّهَم بنحلها من «أحبّه كثيرًا»، أغنيةٌ كتبها فتحي سعيد ولحّنها محمد سلطان وغنّتها فايزة أحمد قبل نيّف وستين عامًا. اقتنيتُها في مختلف تسجيلاتها من عهودي المتتالية بالأسطوانات، مقاس 33 و45 لفّة، والبكرة الممغنطة بسرعة ½7 بوصة في الثانية، والكارتريدج، والكاسيت، والقرص المدمج، إلى روابط الإنترنت وتطبيقات الهاتف الخلويّ. ظلّ الراديو وسيلتي المفضّلة لسماعها. جننت بها. رافقتني في شبابي وكهولتي. تغيب لتعود وتشعل الوجد في رمادي،أحبّه كثيرًا. أكاد من جنوني إليه أن أطير. وأنشر الجناح،أسابق الرياح،أعانق الهواء،والصبح والمساء.وأعبر الجسور،والنهر والبحور،شوقًا إلى حبيب،أحبه كثيرًا.أحبه لأني كأنه كأنيأصبحت في هواهمنه وصار مني.أغنية تنكأ الجرح والمجروح. سمعتها أمس في سيّارة أجرة. وعلى الأثر، جعلتُ فايزة أحمد نسختي البديلة من فايزة الضناوي، صورتها الصوتيّة، تسمعني ما لم أسمعه منها. ما كان مسّها ضرر لو قالت أحبك، أو لو خاطبتني بصيغة الغائب، أحبّه. أكانت أحبّتني أم أحبّت غيري، لن تأكلني الغيْرة. سأبقى الغائب. غيبتي سرّي وطول انتظاري. على حلو الغيبة ومرّها وعمرها، أمسيت ثالث عشر الأئمة، مَهديَّ العاشق والمشتاق، لا أهتدي إلى غير الزمان العالق في أهداب واهية، تحثّني على تفقّد غيبة مَنْ أحببتها كثيرًا. أقف على عتبة بيتها المهجور. أدخله من بابه المشرَّع زائرًا متسوّلًا أثرًا من رائحتها. بين الغرف، أمشي. تستقبلني هرّة. معًا، نسير. أرافقها في وحدتها وتواسيني في وحشتي. أدمع قليلًا وقد أدركني اليأس من العثور على ما جئت بسببه. في محاولة أخيرة، فتحت الخزائن والجوارير عساني أعثر على صور وثياب تخففت من حملها حين جمعت أغراضها وغادرت على عجل. لم تترك لي شيئًا. بات بيتها شَبَهي، خربة مجبولة بالغمّ، والهمّ، والندم، والعدم. كأنه كأني.الحيّكنّا جيرانًا في بيتين متقابلين يفصلهما طريق ضيّق مسدود بالكاد يتّسع لمرور عربة. أقامت عائلتي في الطبقة الثانية من مبنى منير طبش، وعائلتها في الطبقة الأولى من مبنى ماهر كلش. لا فرق كثيرًا بين المبنيين غير علوّ طبش عن كلش بطبقة واحدة. السيّدان منير وماهر نسختان سيّئتان عن بعضهما بعضًا. كلاهما يبدأ اسمه بحرف الميم، على شاكلة حيّنا. أجهلُ مَنْ سمّاه حيّ محيو. ما صادفت محيويًّا واحدًا نُسِب الحيّ إلى عائلته. المؤكد أنه مُدرَج في دوائر بلديّة بيروت وشركة الكهرباء ومصلحة المياه، واسمه الرسمي، «شارع محيو»، تحمله لوحة معدنيّة زرقاء، مسمّرة فوق حائط فاصل بين مدخلَيْه الشمالي والجنوبي المتفرّعَيْن من شارعَي الحاراتي وعمر بن الخطاب. عشنا في حيٍّ مغمور، تناوبت على سكنه العائلات نفسها وأورثتها، ملكًا أو إيجارًا، إلى الأبناء ومنهم إلى الأحفاد وذوي القربى حتّى انقطاع أنسالهم. تاخم الحيّ شارع الحاراتي، وكان شبه فناء خلفي لشارع عمر بن الخطاب، حيث أنشأ الدكتور سهيل فتحة عيادته ومنزله. في الجانب المقابل لعيادة الدكتور، غطّت أشجار التوت والقشطة والمانجا والياسمين وزهر الفتنة قطعة كبيرة من الأرض امتلكها يوسف حبيب، ثريّ من أصل مغربي، شيّد فيها دارة فخمة مشهورة بقصر المغربي، على سطحها مسبح، تحوطها حديقة للنزهة والاستراحة وشرب القهوة، زُرعت أطرافها بالبندورة، والفجل، والبقدونس، والنعنع. شكّلت الأشجار في الخارج سياجًا واقيًا من النظر، امتدّ في محاذاة شارع الحاراتي، واستُكمل من جهة حيّ محيو بجدار عريض تعلوه قطع حادّة من الزجاج لنهي اللصوص عن تسلّقه وسرقة القصر. من نافذة غرفتي، استرقتُ النظر إلى القصر. بموقعه المنخفض قليلًا في وسط مساحته، بدا وكأنه بُنِيَ في وادٍ وهندسته مستوحاة من ديكورات السينما الأميركيّة وأفلامها عن أثرياء القرن التاسع عشر. أضفى حضوره علامة على تمايز طبقيّ في مربّعنا الأهلي، لم يدفع سكان حيّ محيو إلى اعتناق الماركسيّة وإشهار ثورة بلشفيّة تطيح القيصر المغربي وتقصيه عن معمورة رأس النبع. تعالى عليهم بالشجر، جاوبوه بالورد. زيّنوا حافات شرفاتهم ونوافذهم بأصص الجوري والنرجس والفل والخزامى والكاميليا، تقليدٌ اكتسبوه وتناقلوه من اعتياد السنَّة البيارتة ملء الفراغ والتوق إلى منظر ريفيّ وسحر طبيعيّ، أقلقهم فقدهما مع تزايد العمران. أخذنا عنهم التقليد، ملأنا البلكون غاردينيا وحبقًا وورق شاي، وما احتاج آل الضناوي إلى وردة أو زهرة. كانت فايزة وردتهم وزهرتي.لقطة دعائيّة لفيلم قضية طوماس كراون.أكي دنياذات صباح، قصدتُ الدكتور سهيل متألِّمًا من التهاب اللوزتَيْن. استقبلتني مساعدته، إنعام، ورجتني أن أنتظر. جلست. عرفت فايزة من صوتها وأنها في عيادته. سمعتها تحتجّ في غضب على عدم زجره الساخرين من أصله وكنيته. أتت لتأنيبه وليس لاستشارته في عارض صحي. لم تدعه يتكلم. صفقت الباب بقوّة وراءها وانصرفت. رأتني. عبست في وجهي. تلقّيتُ عبوسها عبثًا بحيائي. شو جابك؟، سألتني. أنتظرك، أجبت. شهقت ضاحكة وسحبتني من يدي. عندها، شفيت. صحبتني إلى حيث أنعش الزهر عواطفي، وفعل الورد فعله السلميّ وجنّب أهل الحيّ انخراطهم في ثورة بلشفيّة دمويّة لا تُبقي ولا تذرّ. حتى لو عزّ الورد عليهم، كان البديل الاشتراكي من القيصر المغربي وملكه الخاصّ، حاضرًا بينهم وضامنًا ملكهم العام وحقهم في استغلاله. إنّه الحرج، مشاعٌ عقاره مفتوح على الأوتوستراد المعروف بشارع بشارة الخوري، نصفه أرضٌ بور، ونصفه الآخر مشجَّر بالتِّين والجمّيز والأكي دنيا والحمّيضة والبلح الأحمر وبرتقال بو صفير. سمّيناه حرج محيو من غير العلم بمن امتلكه وسوّاه وزرعه وأخلاه رزقًا سائبًا. الأرض السائبة تعلّم الناس الحرام، أسهله السرقة، وأوّل السارقين الفوّال حيدر أيوب، دأب على قطف ثمار برتقال بو صفير لاستخدامها في تتبيل الفول وتطييب طعمه وتلطيف حموضته. لم يترك برتقالة واحدة تعتب عليه. بين السرقة واللهو وخدش الحياء، تنوّعت شهرة الحرج وتعدّدت استعمالاته. اتّخذ الفتيان من مساحته الرمليّة ملعبًا لكرة القدم، وكان سلوى البطّالين، وخلوة العشّاق، ومعبر الهاربين من كبسات رجال الدرك، ومتنزَّهًا لكلب شارد أو قطة هائجة. عواء، مواء، تنهّد، أنين، همس، هرج، صراخ، جنّة الخطيئة، روضة البراءة، يصعب حصره في صوت أو منظر، أدار نفسه بنفسه. نظامه فوضاه. بالعُرف، تحدّدت أوقات روّاده وانتظم دخولهم إليه. قبل الظهر، ملقى العاطلين عن العمل. وبعده، مباريات الكرة. الغروب للعشاق والظلمة للحيوانات الضجرة. نهار الحرج حركة وليله سكون إن اخترقه صوت فاقمه رهبةً ووحشةً. صخبه صنو صفوه، بَلبَلهما يومًا اكتشاف جثة عند الفجر ألقاها قاتل مجهول. تجمهر الناس، هرعت الشرطة، طوّقت مسرح الجريمة، جاءت عربة إسعاف، سحبت الجثة وانسحبت. أشعت الشمس، عادت الحياة إلى طبيعتها ودبّت مجدّدًا في الحرج. مع نهاية كل فصل من أحداثه ويوميّاته، استحق الحرج وصفه «حديقة الأخبار»، على اسم أولى الجرائد المعروفة في تاريخ بيروت. لم نحبّ اسمه. غيّرناه من الحُرج إلى البستان. ألفناه منذ مراهقتنا. وعلى خلاف روّاده، كنّا ندخله ونغادره وقتما نشاء، نفترش عشبه، تحدّثني فايزة عن كل شيء، عينها اليمنى عليّ وعينها اليسرى تسرح حواليها، ترتفع إلى السماء وتقفل عائدة إلى البستان وتربته. من التراب وإليه تعود وأنا الحاضر في عين والغائب في عين، أكون ولا أكون. بين عينيها، عذّبني شرودها وتشرُّدي. غرّها أنها أرفعُ من أن تغمرني بالعَيْنيْن. كرّمتني باليمنى وأكرمت العالم باليسرى. حيّرتني. تقَلَّب مزاجها تقلُّب عينها والنظر، إذا رفّت، ارتعشت وتوتّرت وتبرّمت. سويعاتيّة. ما عرفتُ لها حرفًا من طرف. في طرفة عين، يتبدّل مزاجها في سرعة، وتصبح شَبَهَ فايزة أحمد، تغضب لترضى وتثور لتصفح. نرفوزة. في المدرسة، تفوّقتْ في اللغة الإنكليزيّة وتدنّتْ علاماتها في سائر المواد. مُشتّتة الذهن والتركيز. لم تثرها فكرة أو كلمة. كانت تنفعل بالنظر. انتابها مرّة القرف من استلقائنا فوق العشب. رأت أننا نقلد مشهدًا باليًا اجترّته الأفلام ومُياومو العشق في البستان. بقبضة شرسة، اقتلعت العشب اقتلاع الأرض من جذورها. ونهضت. صحبتني إلى شجرة الأكي دنيا. قطفت حبّة فجّة، احتضنتها بشفتيها وداعبتها كأنها تدلّكها بهما ثمّ كدشت نصفها، وأعطتني نصفها الآخر، خذ، قالت، بلّل ريقك. وفعلتُ. من فتحة الشفتَيْن، دخلت الثمرة في فاهها. رقّقها لسانها الدلّاك الزلّاق وأنزلها ناعمة في جوف حلقومها. بلعتْها وتنفَسّت. تابعتها لحظة بلحظة. سال لعابي. خنقتني الشهوة. أثارتني و«كسراب يحسبه الظمآن ماءً»، أغشت بصري. لو أخذتني إلى شجرة التين، لاستعدنا خطيئة آدم وحوّاء وتبدلت حكايتي من أساسها. أحبّتني ولم تعشقني. الحبّ شيء والغرام شيء آخر. غرامها الأكي دنيا. اشتهت أكلها فجّة خضراء تلذُّذًا بحموضتها. ما كان ينقص حرقة قلبي سوى الاكتواء بالأكي دنيا ونارها الخضراء. يا لها من فاكهة تستدعي اللذّة وتمنعها عنّي.موقع البستان كما يبدو اليوم (الصورة: محمد سويد)يَزَنمن لافتته الزرقاء، استمدّ الحيّ وجوده واستمرّ. يسهل تعداد مبانيه ويعسر إحصاء أبنائه. تخلو دائرة النفوس من سجلّ بأعدادهم. إذا أُحصيَ المتناوبون عليه منذ قرن، ناهزوا سكّان أيسلندا، وفاقوا زائري برشلونة باحتساب عابري سبيله وموتاه. لم يعد له إلّا اسمه ولافتته وأنا. ما زلت في بيتنا القديم وما بدّلتُ تبديلًا. سأروي الحقيقة بما أوتيتُ من كذب مُنمَّق بطلاوة اللسان والخلق الحميد. أروي لأتوارى. سأغيب أخيرًا. لا ريب. ولا اعتراض. الأعمار في يد بارئها. سبحان الباقي في الحيّ. عشت ورأيت ونجوت ومكثت. عنواني ثابت وفي محله. البقاء في المكان نفسه صعبٌ. والأصعب منه البقاء على قيد الحياة. يبدو الموت أنسب والميت أفضل حالًا من الحيّ لأن الميت يورث أحبّاءه عذاب موته. يؤلمه الموت وينهي حياته مرّةً واحدة وأخيرة. أما الحيّ، فيستمرّ ألمه طالما استمرت حياته، وحين يفارقها، لا تبالي، تخذله قدرتها على الاستمرار من دونه. الحيّ صفة الحياة، وأعني به حيّ محيو. نسج حيّنا خرافة بقائه في استمراره من دوننا. لافتته الزرقاء، شاهدته الصامتة، عهدت بأخباره إلى شهيده الأمين، محسوبكم، رامي زيتون. مرّت على الحيّ أزمات ومآسٍ وصراعات دول وزمر محليّة، أتعبني العيشُ صحبة ذكرياتها. عندما نقل جميل الضنّاوي محل إقامته وافتتح مصبغته، استبشر خيرًا في غده. على أمنيته في الثراء وبناء عائلة كبيرة، كدّ وأنجب ثلاثة أولاد وتمهّل. مع وصول الحرب العالمية الثانية إلى الأبواب، تراجعت الأعمال وضَؤُلت موارده. إثر الحرب، استنهض عزيمته وحاول البدء من جديد. سرعان ما فُجع بوفاة أصغر أبنائه، يزن. وُلِد بقلب مثقوب. عاش خمسة أعوام ورحل. بكاه جميل كما لم يبكِ أحداً. كاد يكفر. بل كفر ونهرته أمّه. فعاد واسترضاها وتشاهد واستغفر. مصيبته في صبره وليس في إيمانه. طال حداده وأضرب عن العمل أربعين يومًا. ولمّا استأنفه، راحت متعته. عن بُعد، وقفتُ في الرصيف المقابل له، وراقبتُه يهوي بالمكواة على الثوب ويضغطها حتى يحترق. فقد أجمل الفنّ في عمله، الرأفة بالثوب، وأفقده الغضب الرأفة بنفسه. بين موت غادر وحياة جائرة، تعب جميل. ومع أنه تجاوز محنته وصرف تفكيره عنها بالكيّ، ازداد منافسوه في المهنة ولم يتحسّن مدخوله قبل السماح لزوجته ألحان بتنظيم رحلات سياحيّة يومَيّ السبت والأحد من كل أسبوع إلى دمشق، رأسمالها استئجار بوسطة تتّسع لثلاثين شخصًا أو أكثر تتقاضى منهم رسومًا غير باهظة تقتطع منها أجرة السائق وسيّارته وتكسب ربحًا صافيًا ممّا تبقّى. سار المشروع جيّدًا وزاد ربح ألحان من شراء البضائع والحلويات من دمشق وبيعها في بيروت، ثم استعاضت عن البوسطة بباص بولمان، وتخطّت رحلاتها العاصمة السوريّة لتشمل المعالم الأثريّة في شتى المحافظات، وصار لها زبائن يوصونها على حوائجهم ويُنقدونها دفعة مسبقة على الحساب.مؤدّيةً دور جيل وهي تحتضن طفلها باتريك في «البيت تحت الأشجار» لرينه كليمان، عام (1971).مقطع من فيلم «البيت تحت الأشجار» (1971).رافقها ابنها أحمد في رحلاتها. آثرت فايزة ملازمة أبيها. وفي تحوّل مفاجئ، راحت تطلب من أخيها البقاء وتُرافق أمّها. استطابت السفر وتعلّقت به منذ تجاوزها الثامنة عشرة وحيازة جواز سفرها الأوّل. ما كان السفر أو الذهاب إلى دمشق غايتها أو وجهتها المنشودة. حلمها الفرار. أفهمُها جيّدًا. أرادها أبوها على صورته، رآها أخت الرجال، كاوبوي، وما رأت نفسها إلّا في مرآتها تطير بها إلى نجمتها جوان كراوفورد. إلى السماء، سبقها يزن الصغير. هدّ موته عائلتها ومزّقها. بالكيّ والسفر، داوى جميل وألحان ويلتهما وهربا منها. آن لفايزة أن تهرب أيضًا. كانت الأخت الحنّانة ليزن. يشهد لها ردّ فعلها على موته. أسرّت إليّ أنها لن تشفى من خسارته إلّا بصبيّ من رحمها يستكمل حياته وحنانها عليه، ولن تلده في بلدها وحيّها المشؤوم. تملّكتها رغبة ماسّة في الرحيل عن أرضٍ آسنة اللون والريح والرائحة إلى عالم كان جليس متعتها وعتمتها في السينما، تغيّرت عناوينه من فيلم إلى آخر وسحرها أوّلها، «لن تعيش سوى مرّة»، شاهدنا نسخته المرمّمة على شاشة راديو سيتي، عام 1956، وكان التقليد الشائع في صالات بيروت إعادة عرض الأشرطة القديمة في فصل الصيف وإرجاء جديدها إلى شهر أيلول، بداية موسم الافتتاح. روى الفيلم هروب زوجين. المرأة، جوان غراهام (سيلڤيا سيدني)، موظفة في مكتب محاماة، والرجل إدي تايلور (هنري فوندا) سجين وعدها بالتوبة والزواج بعد إطلاق سراحه. تنتظره ثلاثة أعوام. فور إخلاء سبيله، يُعقد القران، وما أن يبدآ شهر العسل، يلاحق الحظّ العاثر والسمعة السيّئة إدي أينما حلّ ويعامله الناس كمتّهم إلى أن تقع جريمة وتُلصَق به زورًا. عدا زوجته، لن يقتنع أحدٌ ببراءته. لن يبقى أمامهما إلّا الهروب. «لن تعيش سوى مرّة» (1936) (الصورة: أرشيف محمد سويد)أُنتج «لن تعيش سوى مرّة» عام 1936. أخرجه الألماني فريتز لانغ، وانطلق عرضه العالمي الأوّل في 29 كانون الثاني 1937 مصحوبًا بنجاح منقطع النظير. أحدَثَ نمطًا جديدًا في نوعه وانتمائه إلى سلسلة «أفلام الطريق»، ناقلًا فكرته من حيّز الرجل الفارّ إلى ثنائي الرجل-المرأة، الزوجين أو العاشقيْن، جاعلًا هروبهما من الشرطة وإلى خارج الحدود، احتجاجًا على نظام العدالة والمجتمع. أحزَنَ فايزة غياب جوان كراوفورد عن الفيلم، وأفرحها حمل بطلته إسم جوان. فتنها فرار إدي وجوان. وتملّكتها الرغبة في الرحيل إلى عالم بلا عنوان. وعلى طريقة الأطفال في اللعب، اقترحت أن نفرّ معًا. أقنعتني أننا أمهر من هنري فوندا وسيلڤيا سيدني، وأفلامنا أنجح. أنا النجمة، قالت، وأنت الكاتب والمخرج. وكيف نهرب ولا مال لدينا؟، سألت. نسرق بنكاً، أجابت.غرّتني الفكرة. وأخذتني الغفلة. اعتبرتُ كلامها اعترافًا بحبّي، وحسبتُ أنّي شريك هروبها وحياتها، وسأكتب لها من الأفلام ما لم يعطِه آرثر ميلر لماريلين مونرو، ولن يفرّقها أحدٌ عنّي. كم أنني عبيط. بسذاجتي وقلّة فطنتي، تأكدت بعد سقوطي في البليّة أني خارج الاعتبار وأنها نوت الفرار من دوني.مع ستيف ماكوين في قضية طوماس كراون (الصورة: أرشيف محمد سويد)حربٌ باردةاحتلّ الأميركي جيري شاتزبرغ حيّز أحلامها، برهن بالغرام المشهود وبلا أدنى شبهة أو سوء نيّة، أن خلاصها في يده. بينما أنا يدي قصيرة وعيني بصيرة، على قول المثل بالمقلوب. قلب جيري حياتي من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين. لعنتُ ساعة الإنزال الأميركي في بيروت فجر الخامس عشر من تموز 1958. وقتها، ناشد الرئيس كميل شمعون الولايات المتحدة دعمه ووقف الثورة على حكمه. استجاب نظيره الأميركي دوايت د. آيزنهاور وأطلق عمليّة «الخفاش الأزرق» آمرًا بإبحار خمسة آلاف جندي بحرًا إلى بيروت. عند رسوّهم في شاطئ خلدة، وقعت عيون مشاة المارينز على سابحين من مختلف الأعمار وصبايا بالبكيني ينعمنَ بحمّام شمس على الرمل، ولاحظوا سيّاحًا أجانب وأكشاكًا للمشروبات والمأكولات الخفيفة. تراكض الأطفال إليهم وساعدهم فتيان في إفراغ عتادهم من السفن. توجهوا إلى المطار، سيطروا عليه، جعلوه قاعدة لنقل الإمدادات، أنشأوا المتاريس، وشرعوا في تسيير دوريات.مع جيري شاتزبرغ (الصورة: أرشيف محمد سويد)ذكرت المراجع التاريخيّة أنه كان التدخل الأميركي العسكري الأول في الشرق الأوسط، وأغفلت أنه كان التدخل الأميركي الأوّل في شؤوني الحميمة. كانت الحرب الباردة في أوجها. وبكل برود، حطّ المدعو جيري في مطار بيروت. جاء متأخّرًا سبعين يومًا عن عمليّة «الخفّاش الأزرق». تأخّر لأن مهمّته شخصيّة ولا شأن لها بعمل المراسلين والتغطية المباشرة. استغلّ انتشار المارينز غطاءً لمشروع ألبوم مصوّر اقترحه على مجلّة «لايف»، استغرقه سنوات وطاف من أجله بلدانًا في نقاط ساخنة من العالم، تتناسق وعنوانه الرنّان، «الجمال في حرب باردة/ Beauty in a Cold War». في الحادية والثلاثين، وفي وهج شبابه، احترف التصوير ونشر أعماله بالتعاقد الحرّ مع «لايف» و«فوغ» ومجلات عدّة مرموقة في عالم الموضة والريپورتاج والفنّ الفوتوغرافيّ. تفوّق في البورتريه وعذوبة استعماله الأسود والأبيض وتنسيق الألوان طبقًا لحرارة الضوء وتباين الظلال. عكس أسلوبه طموحه إلى السينما وترجمه في خطواته اللاحقة منتقلًا من مسقطه الروحي نيويورك إلى هوليوود واحتلاله موقعًا طليعيًا وسط مخرجيها المحدثين في أواخر ستينات القرن الفائت وسبعيناته.سبقتْه شهرته إلى بيروت. قبل وصوله ونزوله في فندق النورماندي في جادّة الإفرنسيين، تراسل مع صحافيين محليين حصل على عناوينهم وأرقام هواتفهم من المكتب الإعلامي للسفارة الأميركيّة. انكبّ على العمل من أول يوم. قابل الصحافيين، اختبر معرفتهم بالمناطق وباللغة الإنكليزيّة. غربل أسماءهم واستقرّ اختياره على بشير يمّوت. بمبلغ مقطوع من موازنة مشروعه، استخدم ابن يمّوت دليلًا في التجوال والترجمة وتضمنت المصاريف كلفة استخدام سيارته الفرنسيّة الزرقاء «سيمكا» وتموينها بالوقود. في مقالة له نشرتها مجلّة «لايف» في عددها الصادر بتاريخ 11 أيّار 1967، استذكر «عجائب» رحلته اللبنانيّة. كتب أنّ دليله شاب مربوع القامة ومحرّر أخبار الفنّ والمجتمع في صحيفة «الصفاء». حدّثه الدليل عن جريدته أكثر ممّا عرّفه بنفسه، أطنب في تقريظها قائلًا إنها أكبر عمرًا من لبنان الكبير، أسسها أمراء آل ناصر الدين عام 1886، وظلّت في حياطتهم عشرات السنين، استكتبت ألمع الأقلام واستقطبت أروع الأدباء؛ سُمّيت «الصفاء» تباهيًا «بصفاء لبناننا السعيد من الشوائب السياسيّة المقلقة»، بحسب بيان مؤسسيها. علّق جيري على البيان ساخرًا، «بعد دخول المارينز، عليهم أن يغيّروا اسمها». ابتسم بشير واسترسل في تعداد كُتّاب الصحيفة. أوقفه عن العدّ. رجاهُ التركيز على عمله. استجاب. جابا الصخر بالواد، تنقيبًا عن «جمال الصورة». غامرا في عبور المناطق، تفاديا بؤر التوتر في بيروت وطرابلس، ذهبا إلى صيدا، صور، بعلبك، بيت الدين، المصايف، قمم الثلج، المرتفعات الشاهقة وغابات الأرز. استغرب بشير عزوف المصوّر الأميركيّ عن التقاط أيّ صورة. وقابله جيري بالاستغراب عينه قبل إدراكه أنه لم يلتقِ جمالًا استوفى رغبته وحرّك غريزته. لم يعجبه العجب. ظنّ أنه أخطأ العنوان. عمد إلى تضييق دائرة البحث. اختزلها بالمدن. أخيرًا، قرّر حصر بحثه في بيروت. استطلع القصور، المسارح، دور السينما، الملاهي، علب الليل، الفنادق، خليج السان جورج، صخرة الروشة، الرملة البيضاء، الأوزاعي، خلدة؛ عرّج على جنود أميركيين في خلدة، آنسهم حضوره، حكوا عن بلداتهم في أوهايو، تكساس، أوكلاهوما، آيوا، نيو مكسيكو، كليڤلاند، كنساس، سينسيناتي. وعلى نحو تمنّي رؤساء الولايات المتحدة عودة جنودهم سالمين كلما أرسلوهم للقتال خارج الوطن، تمنّوا رجوعهم قريبًا إلى بيوتهم وعائلاتهم.بعد مشاة المارينز، التقى مشاة ميليشيا «النجادة» في جبل النار، البسطة الفوقا. شاهد علم حزبهم وشعاره «بلاد العرب للعرب». سألهم عن معنى الشعار. ذكّروه بتأميم قناة السويس ودحر العدوان الثلاثي على مصر. حيّوا جمال عبد الناصر، لعنوا أميركا، شتموا الرئيس شمعون وحلف بغداد، تسابقوا على الكلام، قاطع بعضهم بعضًا، علت الأصوات، تلاطمت الألسُنُ وتلاكمت الكلمات. عجز مرافقه عن جمع أقوالهم أو اختصارها في جمل مفيدة. حاول تشبيه الوضع بمثل «الحمام المقطوعة ميّتو» وأخفق في ترجمته. كانا في وسط الحمام ومَعْمَعته. ضاعت الطاسة، ووقف جيري كالأطرش في الزفّة، حائرًا، جاهلًا، راثيًا لحاله. جاء من نيويورك ناويًا تصوير بلد أنقذه جماله من دمامات الحرب والموت. وانتهى به المطاف مستمعًا، لا يفقه لغة أشاوس جبل النار ولا ينغم بحرف منها. خاب ظنّه في البلد. خاب أمله في جماله. فكّر في ملاقاة مقاتلي «الكتائب» علّهم يُسمِعونه روايات أكثر وضوحًا. اعتذر بشير عن مرافقته خوفًا من تصفيته على هويته الطائفيّة. نصح له بعدم الذهاب لأن روايات الأشرفيّة تختلف عن نظيرتها في البسطة بشتائم معاكسة استبدلت آيزنهاور وشمعون بعبد الناصر والاتحاد السوڤياتي. ضلّ جيري سبيله. أغرقته السياسة وأنسته غايته. تشتّتَت في غبار الحرب وأخبارها المطمورة في رمل متاريسها ومثاوي موتاها. ومثلما تراءت للعلن، بدت في محصلة أعداد قتلاها وجرحاها ونازحيها، أقلّ من حرب جديرة بدخول التاريخ. فما طال أمد التدخّل الأميركي غير مئة ويومين أفضت خواتيمه إلى تسوية أكملت ولاية كميل شمعون حتى نفادها قانونًا في 22 أيلول 1958، وأوصلت اللواء فؤاد شهاب إلى سدّة رئاسة الجمهوريّة. حقّق الرئيس آيزنهاور أمنيته وأمل الأبناء في العودة إلى ديارهم. بحدٍّ أدنى وقياسي في تاريخ الحروب الأميركيّة، بلغت الكلفة الماديّة مئتي مليون دولار. واقتصرت الخسائر في أرواح الأميركيين على مقتل الرقيب جيمس ر. نيتلز (James R. Nettles) برصاص قنّاص في 2 آب 1958، ووفاة نحو اثني عشر جنديًا بأمراض وحوادث جانبيّة مفصولة عن المعارك. انسحبت أفواج المارينز في 25 تشرين الأوّل 1958، وما انسحب جيري. لم تَلِن عزيمته ولا فترت همّته. مستفيدًا من هدوء الأوضاع، قرّر بذل محاولة أخيرة قبل حزم حقائبه والإقرار بفشله. أعدّ عدّته طالبًا من مرافقه بشير أخذه إلى أماكن غضّا عنها الطرف في جولاتهما السابقة. كالأستاذ العليم، شرح جيري أن جمال لبنان ليس في بحره وجباله، ولا في آثاره الرومانيّة، وعماراته العثمانيّة والفرنسيّة، بل في مطارح تفتح شهيّة العين بناسها وحياتهم اليوميّة. وعده بشير خيرًا وسار به إلى ما رام من لذائذ الصور واشتهى. علّق جيري الكاميرا حول رقبته وجال في الحارات الشعبيّة وأعشاشها البشريّة. الطقس حارّ. وبعض المارّة خرج فاتحًا أزرار قميصه على وسع صدره تخفيفًا من شدّة القيظ. لا يعرف الآتون من غرب الكرة الأرضيّة إن صيفًا آخر يحلّ في بلادنا كل عام بين تشرين الأول وتشرين الثاني. شعشع جيري بالشمس. مشى قرابة الساعتين. تعب بشير وهدّه العطش. لمح بائعًا يجرّ عربة تعلوها ألواح ثلج فوق ألواح خشب، وفي أسفلها ثلاث خزانات صغيرة تتدلّى منها ثلاثة صنابير. كان البائع يتقدم في اتجاههما، ضاربًا بيديه صَنجيْن نحاسيين، صائحًا منغّمًا، سوس، تمر هندي، جلّاب. استأذن بشير صاحبه بالاستراحة وشرب العصير. على حسابي، قال. اشترى لنفسه سوسًا ولضيفه جلّابًا مكلّلًا بالزبيب والصنوبر. بلع بشير كوبه بجرعة واحدة وتلبّك جيري في تناول المشروب واحتار كيف يشرب الجلاب من دون مضغ زبيبه وصنوبره. أعطاه البائع ملعقة. وراح يغرف الحبات بها ويشرب الجلّاب في وقت واحد. استاء من خلط طعم الزبيب بالجلّاب. اكتفى بانتقاء حبّات الصنوبر وأكلها. شكر ابن يمّوت على مكرمته. واستأنفا المسير نزولًا من برج أبي حيدر إلى رأس النبع، حيث وقع جيري على مخلوقته الـمُنتَظَرة والـمُـنتَظِرة. لمعت عيناه. مثلما سقطت التفاحة على رأس نيوتن واكتشف الجاذبيّة، وقعت فايزة في عدسة جيري واكتشف الجمال. وجدها! بكاميراه المتدلّية فوق صدره، لاحظ ما لم يلحظه قبلًا، أن الكاميرا تتناغم وخفقان القلب، أن القلب مسقط الكاميرا. وجد ابن حيّ البرونكس جماله في ابنة حيّ محيو. رآها تتجه نحوه. جمد في أرضه. وصلت إلى قلبه، رفعت الكاميرا عنه وأمسكته إيّاها بقوّة، نعم، يا جيري خذ الكاميرا بقوّة وصوّرني. على قلبه أحلى من العسل. أفرغ ذخيرته من الأفلام الخام. انتهت الحرب، ولّت لعلعة الرصاص، وحانت تكتكة الكاميرا. لم يشبع من تصويرها. أخبرها عن مشروعه. حدّثته عن جوان كراوفورد. ولـمّا سمعها تتكلّم الإنكليزيّة، استغنى عن خدمات بشير واستأجر سيّارة، قادها بنفسه وكان يصحبها يوميًّا للتصوير في وسط العاصمة وأسواقها العتيقة، ويعيدها في الوقت المناسب إلى أقرب شارع من بيتها إبعادًا للشبهات والنمائم. صارت نجمة ألبومه قبل طبعه. «الجمال في حرب باردة»، لخّص لها مشروعه بعنوانه وأسهب في شرح دورها. فهمت من كلّ كلامه أن الحروب تأتي وتروح ويبقى من كلّ الدنيا جمالها. منها، عرفتُ بلقائهما الأول. أصرّت على تقديمه إليّ منهمكًا في تصويرها أمام كاتدرائيّة الأرمن الكاثوليك في ساحة الدباس. حين صافحتُه، رمقني بنظرة شكّ تداركتْها فايزة بوصفها لي أني صديق الطفولة والأفلام. وقعُ كلمة صديق أثقل من انهيار جبل على شخص مثلي خَفَى حبّه بالصمت. بالكاد كلّمني جيري. خلع سترته، استلّ الكاميرا من حقيبته، خلعَتْ قبعتها، نظرَتْ إلى وجهها في المرآة، أرخت شعرها، وحرّرته من الدبابيس، سرّحته بالفرشاة، أعطاني السترة والحقيبة، أعطتني القبّعة والمرآة والفرشاة والدبابيس. عاملني كناطور. عاملتني كوصيف. كلّفني مراقبة مسرح التصوير. وبدورها، نبّهتني، خلّي عينيك عشرة عشرة. الكلمة الأخيرة له. بإشارة منه، يبدأ التصوير وينهيه، يأخذ اللقطة ويكرّر تصويرها مرارًا إلى أن تنال رضاه. قاسٍ، سليط ومتسلِّط. خنعت لأوامره وارتعدت من غضبه وخشيت العقاب. بعدما حذّرني من السماح لأحد بالظهور في بؤرة عدسته، واجهت أسوأ امتحان حين سهوت عن مرور بائع خضر. زعق بي زعقَة الريح بالرمل، موبِّخًا، You’re a bloody damned ass hole.ملصق أيام الكوندور الثلاثة لسيدني پولاك (الصورة: أرشيف محمد سويد)طومحفظًا لجمالها من قلبي المتأوّه بنار حربه الباردة، تجاهلت إهاناته. عضضتُ على جرحي وجرح كبريائي. أنكرت أنها سبب شقائي. عرّفتني إليه من غير أن تكلّف نفسها عناء سؤالي عن رأيي في شخصه وطبعه ومعشره. السؤال مفروغٌ منه. أخذتني for granted ولا ألومها. عوَّدتُها على عدم الاعتراض على كل دور تطلب مني القيام به كرمى لعينيها. والآن كرمى لمصورها النيويوركي وزرقة عينيه. ما عاد لدي شك في أنها أصبحت له وألقتني لماضي أيامها المعدودة في حيّ محيو. الكيمياء جوهر العلاقة الناجحة بين شخصين. واضحٌ أن الكيمياء قالت كلمتها في قسمتهما ونصيبهما. واضحٌ أكثر، من سلوكه وتنمّره عليّ، أنه ضَربَ الكيمياء بعرض الحائط. فما ارتأيت ردًّا مناسبًا حياله غير ضَربِ الفيزياء بلبن أمه. وانهزمت. هزمني بخبرته في النساء ومهاراته الغراميّة. وفي الأساس، انتفت مصلحتي في الاستزادة من صحبته وخبرته. أوصلني غبائي وحيائي إلى ما وصلت إليه من استعبادي في موقع التصوير والسهر على راحة فنان متخاتل وصون نجمته من الدخلاء والمتطفلين. تحمّلت وحدي بلوى بؤسي برضائي أن أكون شيّالًا لأمتعة المستر جيري وحاميًا لحقيبة اللايدي فايزة وأمينًا على مستحضرات تجميلها. في احتساب الربح والخسارة من تبعات عملي معهما، كسبت عدم رؤيته ثانيةً في حياتي، وخسرتها، لا بل فقدتها إلى الأبد. وفي مراجعة لاحقة للماضي، أيقنت أنها غلبتنا معًا، أنا وجيري، وكان له أن يحسدني لو أراد، إذ لم أُعانِ ما عاناه. أعطاها قلبه بيدَ أنها سَبَتْ عقله. سلبته فنّه وتركته يصوّرها حتّى نالها السأم منه. غدرته وغادرته. أمّا أنا، فكنت مرذول القلب والحبّ جملةً وتفصيلًا.هي وغريمي جيري (الصورة: أرشيف محمد سويد)أخطأ جيري في حسبانه أنه الحبيب المنتظر. كانت في حاجة إلى مَنْ يصوّرها وليس إلى مَنْ يحبّها. جاء في الوقت المناسب. وفي الوقت الضائع من اللعب بالصور، علمتُ أن نهايتي أزِفَت. وانسحبت. سلّمتُ بهزيمتي النكراء في موقعة ساحة الدبّاس، وأبلغتهما اعتذاري عن المشاركة في جولات تصوير أخرى. تفهّماني. أو بعبارة أدقّ، تفهّما عزوفي من دون الحاجة إلى تفهّم أسبابي ومشاعري. والأنكى في ما بعد أنهما أصرّا على ذهابي معهما إلى السينما. وافقت مرّة وندمت. بين مشاهدة الفيلم وكركرة همساتهما وقرقعتها على طبلة أذني، ضعت وحَوِلت عيناي من تنقيل النظر. ساحة الدبّاس أرحم من صالة السينما. ووقوفها أمام عدسته في وضح النهار أفضل من الجلوس لصقه في الظلمة. لمَ الكذب واللف والدوران؟ رأيتهما معًا. ومن شجن فايزة أحمد إلى أنين نجاة الصغيرة، بدأت «الظنون تطلّ من رأسي وتشدّ أذني». أحرجني الوضع، تضايقت من نفسي، من استدراجي إلى ما لا أُحسدُ عليه. أوقعتُ نفسي في النزول بحبّي لها إلى الدَرك الأسفل. بتُّ عصفها المأكول. أحلامها أوامر. سمعًا وطاعة، حبًّا وكرامة، سايرتها في الكذب. تصنّعتُ السعادة. آلمني أن أكون حجّة غيابها وشاهد زور وستارًا واقيًا لاختلائها به وقتًا أطول في ظلمة السينما. ومع الوقت، ابتعدتُ وابتعدتَ عنّي أكثر. آنًا فآنًا، قلّت مشاويرنا إلى سينما كريستال وانعدمت. احتلّ جيري مقعدي. وأحالني جرحًا ساخنًا على نار باردة، هزمني برؤيته مدجّجًا حتّى الأسنان بالأفلام والعدسات. الكاميرا جبروت قاتل. لا صادّ له إلّا الخيال. والخيال ملعبي، باعترافها. خطأ حياتي أنّي جعلتُ خيالي ساحة معاركي العاطفيّة الخاسرة. تداولت في سيناريوهات عدّة اقتضى الظرف الطارئ وضيق الوقت استعجال البت بواحد منها ينصرني على عدوّي ويستردّ كرامتي المهدورة. اعتمدت استراتيجية الرسوم المتحركة. في مواجهة جيري، اخترت أن أكون طوم. وحصدت فشلًا مدوّيًا مزّق أحشائي، وكان الأجدى لي توقُعه لو تذكّرت أن قصص القطّ والفأر، نجميْ استديوهات والت ديزني ورسومها المتحرّكة، حيكت على مبدأ نجاة الفأر وإغاظة طوم. ولا مرّةً خرَّ جيري صريعًا بمخالب طوم.كمن يسلك خيطًا في إبرة، تسلّل جيري إلى قلبها. اليانكي ابن الستين كلب خطفها مني وخطفتني الغيرة، تلوّيتُ في سهادي وتقلّبتُ في فراشي. ما ذقتُ النوم إلّا غرارًا. غيرتي وقاد غروره. عزائي أني أراه اليوم وأتذكّره مجرّد ضحيّة لا يرثى لها. أدركَ الشفق وفاتته الشفقة في خاتمة غرامه. كنّا أحمقين بلا أدنى ريب، اختلفتُ عنه باقتناعي بما غشيَ عنه. عاش على وهم أنه صنع امرأة بإبداعه. وأعقلُ الظن في ما خصّني أنها صنعت مني رجلًا حرّكته بنور عينيها كخيال ظل يزامنها في حيّ محيو. على قدر عشرتنا ونهايتها الحزينة، بلغتُ ما عجز جيري عن بلوغه. كانت في حاجة إلى مستمع ومصوِّر وليس إلى عاشق. فكنت خير المستمعين وكان غريمي أحسن المصورين. آه من الحب، غنّى محمد عبد الوهاب، الحب فيه بقائي، الحب فيه زوالي. وفي رثاء حبي، أصابني الزوال في بقائي. الحبّ مرض عضال. ومن يزعمْ أنه أبَلَّ منه، يخشَ الاعتراف أن لا نقاهة بعد الشفاء منه. كانت حبّي الأوّل. من أوّله، ضربني المرض. ولشدّ الألم وضعف حيلتي في مداواته، أصابني ضرب من الهبل دفعني إلى استشارة أقرب طبيب يمدّني بوصفة شفاء. من فوري ، توجهت إلى الدكتور سهيل. كان خبر فرار فايزة من الحيّ مدوّيًا وخَلَّف وقعُه فضيحةً لاكتها الألسن وحجرت جميل الضنّاوي في بيته مرهقًا من حسرته على موت ابنه الصغير ومثقلًا باختفاء ابنته الوحيدة ومربى دلاله.لم يسألني سهيل ما بي. ما أن رآني، أعرض عن فحصي والإنصات إلى شهيقي وزفيري بسماعته الصدئة. تجاوز بروتوكول الأطباء في اختيار الكلمات وتشخيص أوجاع مريضه بمعاينة جسده. فهم سبب زيارتي. صارحني مباشرة، لا دواء للحب ولا محكمة تفصل في شكوى المحب. يا حبيبي انساها، النسيان كنز الإنسان، قال، صارت وراك. دير ضهرك وامشي. فاتني بعلمه أنها ابتعدت عنّي وفاته أن حياتي أصبحت ورائي. استصعبت العمل بنصيحته إلى أن عملت ومشيت. وما كففت. تلّة الأحلامخرجتُ من عيادة الدكتور سهيل وكان مرّ يومان أو ثلاثة على هربها. ذهبت مع والدتها ألحان في رحلتها المنتظمة أسبوعيًّا إلى دمشق. ولدى وصول الباص إلى الموقف العام وانشغال أمّها بنزول الركاب، غافلتها مسرعة إلى لقاء جيري في العنوان المتفق عليه بينهما. وافته في بهو فندق أميّة، حيث كان ينتظرها، وسافرا في رحلة طويلة قادتهما برًّا إلى باريس من طريق إسطنبول وجوًّا إلى نيويورك انطلاقًا من مطار أورلي. تكفّل جيري بالمصاريف وتابع تعليمها الإنكليزيّة وإلحاقها بمعهد لفنون الدراما وتابع التقاط صورها ونشرها في مجلتي «لايف» و«إسكوير». أغرم بها. لا أدري إن أحبّها بعينه أم بعدسته. من يرَ صُورَه يرَ الحبّ وانتقاله في الصور من الساكن إلى المتحرّك انتقال جيري في فنّه من غلاف المجلة إلى الشاشة الفضيّة معزَّزًا بدخوله معترك الإخراج السينمائي، معانقًا ملهمته البيروتيّة كريمة الكوّى جميل ورأس النبع وأهاليها. قدّمها في نيويورك بطلة أوّل أفلامه، «لغز طفلة قيد السقوط».على ملصق «مكان للعشاق»، لفيتوريو دي سيكا، مع مارشيللو ماستروياني، (1969) (الصورة: أرشيف محمد سويد)خير الكلام الفاتحة. وخير الفاتحة خاتمتها في قصّة فايزة. في أواخر خمسينات القرن المنصرم، طارت مهجة الدلال إلى جنّة كاليفورنيا. اعتزمت ضرب آفاق التمثيل ورفع شهرتها أعلى من أميركا، على «مدينة فوق جبل»، شامخة مرصّعة بأحرفها العملاقة، هـ.و.ل.ي.و.و.د.؛ تركتني في برزخ روحي، خالبة ألباب الأميركيين بحسنها المشرق من بؤبؤ العين وغور القلب. أغرت صحافتهم بنشر مقالات وقّعها نقّاد سينمائيّون مرموقون غالوا في وصف جفنها الأيسر الظليل بخصلة شَعرٍ أشف من الذهب. شَعرُها شِعْرٌ حيّر النقّاد. اغتنموا ظهورها، عام 1969، في فيلم «التدبير»، وانبروا في ردّ شقرته الخفيفة إلى بلد ما من طريق الحرير. مقطع من فيلم «التدبير» (1969).خمّنوا أن المخرج إيليا كازان، اليوناني الأصل، انتقاها من وحي طفولته. وفي موازاتها أدار كيرك دوغلاس في دور البطولة ممثّلًا شخصيّة مزدوجة الاسم- إيدي أندرسون/ إيفانجلوس أرنيس- محطمة في شتاته الأميركي وعلاقته المضطربة بأبيه وعائلته المتلاشية بخليط أعراقها اليونانيّة والتركيّة والأرمنيّة المهاجرة إلى أميركا، أوائل القرن العشرين. ردّ النقاد جذور فايزة، المدعوّة غوين في الفيلم، إلى السحر الهجين في ذاكرة المخرج. واحتاروا في تحديد منشئها ما بين سوريا وتركيا، أو إيران ربطًا بوالد كازان ومزاولته تجارة السجّاد في أيامه. نسوا أنها معبودة الابن في صراعه مع صورته المثاليّة للحلم الأميركي. حين يلمسها، يدمّرها، وحين ينأى عنها، يعاوده سحرها ويؤوب إليها حتى يدمّر نفسه. تجاهل النقّاد سيرتها الذاتيّة المعتمدة بموافقتها وإشارتها إلى أنها من مواليد بلدة باسكوم في مقاطعة جاكسون، فلوريدا. دحضت السيرة الرسميّة تخميناتهم وتخيّلاتهم عن الشوام والأرمن والأتراك والإيرانيين وقوافل المهاجرين والمتاجرين على طريق الحرير. فلا وجود لشيء اسمه طريق الحرير. الحرير هو شَعرُها. وأصلها في جمالها. جمالها ناكرٌ لا يستطيع الرائي إليه سبيلًا. وحده المخرج الإيطالي ألبرتو لاتوادا فطن إلى محياها المتوسطي عندما اختارها لدور الملكة الإسبانية إيزابيلا في رباعيّته التلفزيونية «كريستوفر كولومبوس»، عام 1985. تبوّأت إيزابيلا الأولى عرش قشتالة. بعد زواجها من فرديناند وليّ عهد أراغون وتوحيد مملكتيهما، تابعت حروب استرداد الأراضي وطُرد المسلمون من آخر معاقلهم، غرناطة. استكملت إسبانيا وحدتها وأصبحت إيزابيلا ملكتها، طموحها نشر سلطانها وديانتها المسيحيّة في العالم. وجدت مشروع كريستوفر كولومبوس فرصة مواتية. رعت مغامرته وموّلتها. وعدها بالهند. أخطأ الدرب ورست سفنه في جزر الكاريبي. اكتشف قارّة جديدة، أميركا. لا أحسد إيزابيلا على أميركا. ولا أحب إيزابيلا. أحبُّ جلوس فايزة على عرشها في فيلم الإيطالي لاتوادا. لو جلست على كرسي المخرج، لقلبت الأدوار ووضعت نفسي محل كولومبوس وأودعت إيزابيلا مزبلة التاريخ، ماخرًا المحيط الأطلسي صوب الرملة البيضاء ومنها إلى عتبة بيت الضنّاوي. ليتني آخذها من الفيلم. مستحيل. كلمة يا ريت عمرها ما كانت بتعمر بيت، على شدو فريد الأطرش. لسنوات طويلة، بنيت قصرًا من الأماني. وفات الأوان. مثلما رحلت إيزابيلا وتركت مملكتها للتاريخ، ذهبت فايزة في رياح شهرتها بين نجوم السينما وممالكها. مملكتي ليست من عالمها، خلا شاشة صغيرة منه حِكتُها ضوءًا وصورًا وأحلامًا. اكتشفتها قبل اكتشاف كولومبوس أميركا. سبقته بمئات السنين. روّعته بروعتي. والأروع مني ومنه ومن أميركا قاطبة حارتنا الرثّة الحنونة في شارع محيو ونجمته الساطعة فايزة. معًا ربينا وهِمنا وكبرنا. اليوم، أمسيت طيف غربتها، نعم، طيفها أنا وعاشقها المثلوم المكلوم. في حضرة القارئ ختيار ما كَلَّ عن إعادة تعمير الحيّ وسِيَر أهله، محاولًا فتح فجوة في الذاكرة تصحّح المصائر خارج النهاية السعيدة المنبوذة من فيلم ضحّت فايزة شبابها من أجله. أتوسّل بقائي على قيد الأمل بالتذكّر وأنا على قيد أنملة من خاتمتي. يا شقائي! ما أضيق الأمل لولا فسحة العيش في الذكريات. عليّ ألّا أتوقف عن التذكّر ومعاودة التذكّر. بتكراره تتغيّر الحقيقة وترتدي ألف وجه وصورة. تذكّرت وجهي صارخًا في وجهها تلبيةً لرغبتها. ذات ليلة، سألتني، بتعرف تصرخ؟. سكتت. ولـمّا أطَلتُ الصمت، ضاق صدرها، يللا، وصَرَخَتْ. أمرتني أن أردّد وراءها. بلا تردّد، صَرَخْت. كان صراخي الأول والأخير. بعد بلوغي الثلاثين، وثّقت الواقعة في فيلم روائي قصير جهدت في تمويله. اخترت مدينة الملاهي ديكورًا. وتعمدت الاستعانة بممثلة لا تشبهها احترامًا لخصوصيّتها. غايتي الفن وليس الحقيقة، علمًا أن المعضلة هي في الغاية نفسها. وعليه، رحت أصوّر وأعيد التصوير بلا طائل. أعياني الفيلم. غلبني. لم أُخرِجه. أخرَجني مشهدًا يتيمًا، لا مكان له في فيلم ولا في دنيا فتحت سماءها لنجم فايزة. طوال ثلاثين عامًا، آثرت متابعتها في صورها المنشورة في الجرائد والمجلّات على مشاهدتها في أفلامها. بعد مغادرتها رأس النبع، انقطعتُ عن ارتياد الصالات. وبعد فشلي في إخراج فيلمي القصير، انقطعتُ عن السينما. حصلتُ على إجازتي الجامعيّة من معهد الفنون. اكتفيت بقراءة كتب السينما وسماع الموسيقى. من تركة أبي وتعويضه في البنك، استأجرت دكانًا في مبنى عيادة الدكتور سهيل وجعلته استوديوًا للتصوير الفوتوغرافي. كان الأول في نوعه في حارتنا. حقق لي مدخولًا جيّدًا من زبائن صور الهويات وجوازات السفر والعرسان والمولودين والفائزين بشهادتي السرتفيكا والبروڤيه، إلى أن اندلعت الحرب عام 1975 وتراجع المدخول وتراكمت الديون. أنقذني دخول الفيديو إلى لبنان واكتساح الأشرطة المقرصنة للأفلام والأسطوانات. استفدت من تداعي الدولة والقضاء وجعلت دكاني محلًا لبيع أشرطة الفيديو بعلامتيها التجاريتين Betamax وVHS، ونسخ الموسيقى والأغاني وبيعها بحسب الطلب. طمحت إلى أن أكون سينمائيًّا وانتهيت قرصان سينما وموسيقى، أنسخ الأفلام والأسطوانات أبيعها بالمئات، وأحيانًا أشحنها بالآلاف من طريق المهرِّبين إلى باعة الكاسيتات في سوريا. بين أواخر سبعينات القرن السالف وثمانيناته، كوّنت رأسمالًا وافرًا أعانني على الاعتناء بأمّي وادّخار ما يدرأ عني العجز والفاقة. بحكم عملي، غرقت في مشاهدة أشرطة الفيديو وأنهيت صدودي عن الذهاب إلى دور السينما، والأهم من ذلك كلّه مشاهدة فايزة في حياتها الأخرى. أدهشني أن ألاحظ ما لم يلحظه أيُّ ناقد انبرى في تشريح أدوارها. رأيتها ملخصًا لسيرة فايزة وما سمعت من أحزانها وأحلامها بين العبث والاختباء في عتمة الصالات، وفاجعة موت شقيقها الأصغر يزن ورحلتها إلى هوليوود.بوني باركر، فيلم «بوني وكلايد» (1967) (الصورة: أرشيف محمد سويد)فكرتها أن نسطو على بنك ونكون طريدَيْ العدالة مثل هنري فوندا وسيلڤيا سيدني في «لن تعيش سوى مرّة» عرفت طريقها إلى الشاشة في «بوني وكلايد» لآرثر پن (1967)، قصة أشهر سارقي البنوك في أميركا العشرينات والثلاثينات. مقطع من فيلم «بوني وكلايد» (1967).شمل الفيلم هوايتها الجامحة في الصُّوَر. أرادت الظهور وكأنها حديث الناس وحدثُهم، حيث ترغم ضابط شرطة فشل في مطاردتها على التقاط صورة تذكاريّة تقَبِّل فيها شفتيه بشراسة. وتتهافت الصحف على نشر اللقطة مثيرة السخرية من ضابط حطت امرأة من رجولته وبنيته الحديد.إيحاء بوني باركر بلهفتها في أن تُصَوَّر استكملته أفلام لاحقة برغبتها في أن تُصَوِّر الآخرين وتستثني نفسها من الظهور معهم، على نحو استثنائها لي من الوقوف معًا في صورة تذكاريّة. في «أيام الكوندور الثلاثة» لسيدني پولاك (1975) و«عينا لورا مارس» لإيرفين كيرشنر (1978)، امتلكت الكاميرا وانتحلت شخصيّة مصورة فوتوغرافيّة، وتابعت شخصيّتها في «الحافّة المزدوجة»، فيلمٌ سيء ورديء الصنعة دارت رحاه في أوج الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى، أخرجه آموس كوليك (1991)، وحملت شخصيّتها اسمها الأول الحقيقي، مؤدية دور مصوّرة صحافيّة أميركيّة في أولى مهماتها في الشرق الأوسط. تستهلّ ظهورها بحماستها للضحيّة الفلسطينيّة. ولا تني تتخبط في تناقض مواقف الإسرائيليين والفلسطينيين حيال الصراع. وينعطف الفيلم دامجًا الروائي بالوثائقي في سلسلة مقابلات تجريها بطلته الأميركية مع وجوه فاعلة من الطرفين، البعض منها مستل من الأرشيف والبعض الآخر مُسجّل في حينه.مقطع من «عينا لورا مارس» (1978).ملصق «الحافّة المزدوجة» (1991) (الصورة: أرشيف محمد سويد)وإلى الصورة الفوتوغرافيّة، واكبت ازدهار الشاشة الصغيرة والبث المباشر. جسدت سلطة الصورة المتحركة ووحشيتها كمنتجة تلفزيونية ومديرة تحرير في فيلم «الشبكة» لسيدني لوميت (1976)، واستحقت عليه أوسكار أفضل ممثلة.مديرة الإنتاج في الشبكة لسيدني لوميت، 1976 (الصورة: أرشيف محمد سويد)السرّ الأخيرمن فيلم «شايناتاون» (1974).لم تبتعد عنها الكاميرا في حياتها الشخصيّة. تزوجت مرّتين من مُصوّرين، الأميركي جيري شاتزبرغ، أطال الله عمره، والبريطاني تيري أونيل تغمّده الله برحمته. طلّقتهما تباعًا. وكانت أمًّا لطفل وحيد، ليام، ظلّ سرّه مكتومًا حتّى مطلع القرن الحالي. بعدما قيل إنه ولد عام 1980 وكان ثمرة زواجها من تيري أونيل، كشف الأخير أنه ابنهما بالتبني منذ عام 2003. أكّد ليام صحّة النبأ. وثبّت هويته باسمين مختلفين. الأول بكنية أبيه والثاني اسم مزدوج على كنية مركّبة من عائلتي أبيه وأمه بشهرتها الفنّية. تعثّر حظها في الإنجاب. تمنّت التعويض عن خسارة شقيقها يزن بمولود من رحمها. خابت أمنيتها.ليام، ابنها الوحيد بالتبني (الصورة: أرشيف محمد سويد)وأفلامها زاخرة برابط الحب الموؤود بين أم وابن أو ابنة. في «بوني وكلايد»، يشكّل العجز الجنسي لكلايد سببًا لتفجّر معشوقته بوني پاركر بالغضب ويصبح العنف تعويضًا عن افتقاد حبهما المتعة والقدرة على الإنجاب. ولا تني الرغبة في الأمومة تستحوذ أزمتها العاطفيّة في «التدبير» لإيليا كازان، بينما تأتي نهاية فيلم «شايناتاون» لرومان بولانسكي (1974) بفشلها في حماية ابنتها المولودة سفاحًا من أبيها فتُقتل برصاصه وهي تهمّ بتهريبها. مقطع من فيلم «شايناتاون» (1974).لن يلبث الحبّ المَوْؤود أن يُضحي طقسًا ساديًّا في سلوك نجمة سينمائيّة تقسو على ابنتها في تربيتها بالعقاب المفرط، كما بلغ جنونها في التمثيل ذراه في «أمّي الحبيبة» لفرانك پيري (1981)، فيلمٌ مقتبس من مذكّرات كريستين كراوفورد، الابنة الكبرى بين أربع فتيات تبنّتهنّ جوان كراوفورد. مقطع من فيلم «أمّي الحبيبة» (1981). في دور جوان كراوفورد، «أمي الحبيبة» (1981) (الصورة: أرشيف محمد سويد)ولـمّا كانت جوان حلمها ومثالها منذ الصغر، توقّعتُ صعود فايزة إلى قمّة المجد في انتحالها شخصيّة النجمة الكبيرة. وحصل العكس تمامًا في سيطرة الانفعالات الهستيريّة على أدائها وتحوّلها مادّةً لتهكُّم النقّاد على أُفولها. حين شاهدت «أمي الحبيبة»، لفتني توقفه عند عقدة جوان كراوفورد من النظافة. أذكر جيّدًا أن النظافة التامّة شكّلت هوسًا لدى جميل الضناوي وزوجته ألحان. كان هوس جميل في النظافة أقرب إلى ممارسة عادةٍ منه إلى فعلٍ يمكنه الحدّ من عبئه. «سرساب» الكمال في الطهارة مأثرة معروفة عن العائلات السنيّة القديمة. وأم جميل بيروتيّة قُحّ. تلبّسها السرساب بلحمها ودمها. ورثته من أمّها وأورثته إلى وحيدها. فُطر جميل على النظافة منذ فِطامه. عن خاله الموسوس مثل شقيقته، امتهن الكيّ وفاقمت طبيعة عمله من التشدّد في الطُّهر والنصاعة. سرى السرساب سريان الماء في النهر. لم تسلم ألحان من عدواه وأعدت أولادها به. حملت فايزة من والديها وسواسهما القهري الخنّاس. أرجّح أنه كان رائز دخولها في نفسيّة جوان كراوفورد، على ما تبدّى في مطلع الفيلم، من توبيخ كراوفورد لخادمتها على إهمالها رفع أصيص الزريعة وتنظيف الأرض تحته. وفي مشهد آخر عن علاقتها غير السويّة بابنتها كريستين، تنهال عليها ضربًا وتجرّها إلى الحمام، تدلق بودرة الغسيل بكميات كبيرة في أنحائه وتجبرها على تنظيفه من جديد. في مرحلة أفول نجمها، انتقلت تصرفاتها الانفعالية الساخطة إلى مواقع التصوير وانعكست توتّرًا في علاقتها بالمخرجين. لم تُفهم ردود أفعالها العصبيّة على أبسط الأشياء. أدمنت الكحول والمهدّئات. تابع ابنها ليام علاجها في مصحات التأهيل. استعادت بعض عافيتها. عبر العلاج، تبيّن أنها كانت تجهل إصابتها باضطراب ثنائي القطب (Bipolar Disorder). كَشَفتْ الأمر في أحدث فيلم وثائقي عنها أخرجه لوران بوزيرو، عام 2024. فهمت من الفيلم شرودها القديم في النظر إليّ بالعَيْنَيْن في وقت واحد. وفي اللقطات المقربة من وجهها في غير فيلم، لاحظت تشتُّت نظرها بين عين تركّز على الممثل الواقف قبالتها وعين شاردة حوله أو في اتجاه آخر. لكل نجم لغز سحره على الشاشة. لغزها عينها اليمنى وسحرها عينها اليسرى. اكتشفت لغزها متأخّرًا. قضيت عمري مشغولًا بعذابها. لم أجد في مشاهدها القاسية في «أمّي الحبيبة» ما يساوي قسوتها في محوي من حياتها. جعلتني فحسب مستمعًا وكاتم أسرار. قبل الجميع، أبلغتني بخطة فرارها وموعدها. وقبل أن تحطّ في نيويورك وتفرش طريقها بالورود إلى هوليوود، أودعتني سرّها الأخير أنها اختارت اسمها الفنّي بنفسها، قريب من فايزة الضنّاوي وبعيد عنه في آن واحد. حذفت الحرفين الأخيرين من اسمها الأوّل فصارت فايزة «فاي» وأزالت أل التعريف وحركة الشدّة على النون من اسم عائلتها فصار «دنواي» بدل «الضنّاوي».يا دنيا يا غراميمدخل حي محيو اليوم (الصورة: محمد سويد)وأنا بعيدٌ وبعيدٌ منها، عجّل الله فرجي، أقدّر شجاعتها في طيّ صفحة ماضيها ونسيان حيّها وعبدها العاشق رامي زيتون. كفاني أنها احتفظت برقم هاتفي المنزلي. طوال غربتها، لم تذكر بيروت إلّا مرّة واحدة اقتضاها حوارها في مشهد وحيد من فيلم «الشبكة»، شمل بيروت ضمن الحروب الدائرة في العالم. ولم تذكرني قطّ. بلى تذكّرتني مرّةً من دون أن تراني أو تكلمني. أهدتني تذكارًا أرسلته بالحقيبة الدبلوماسيّة إلى السفارة الأميركيّة قبل أسابيع من تفجير مقرّها في عين المريسة. اتصلت بي إحدى موظفات السفارة وأعطتني موعدًا لتسلّم طرد بريدي توانَيْتُ عن فتحه حتّى رجوعي إلى البيت. لا رسالة فيه ولا شيء، خلا ملصق فيلم فريتز لانغ «لن تعيش سوى مرّة». لا أعرف كيف تُحسب المرّة في عدّاد الزمن. أكثر من مرّة، عشت معها، منذ كانت طفلة صغيرة، منذ غضّت، منذ رقّ جلدها، منذ ظهر دمها، مذ شببتُ إلى أن دببتُ على عصا تنتظرني دومًا لزيارة طَلَلها. أكثر من مرّة، عشت ذكراها. ومرارًا مُتّ مرارةً. «الدنيا أمد والآخرة أبد»، قال ابن أبي الدنيا في كتاب «الزهد». وبالفعل، ذهب معظم مَنْ عاشوا وعرفتهم في حيّ محيو إلى خواتيم الأبد. لم يتحمّل جميل الضناوي نكساته. أغلق دكّانه وانتقل وعائلته إلى جهة مجهولة من دون أن يودعنا. جاءت الحروب وتوارى كل الطيبين والنصابين والمتنمِّرين ممّن تلوتُ أسماءهم. بعد عذاب أليم مع المرض، ماتت أمي. بتُّ وحدي.ظللتُ أتردّد على الدكتور سهيل إلى أن خرف وأودعتْه سكرتيرته ضرّابة الإبر، إنعام، مأوى العجزة في منطقة صبرا. تغيّرت الوجوه واكتظ الحيّ وشارعا الحاراتي وعمر بن الخطاب بسيارات وعمارات بناها أثرياء إفريقيا. عندما ترك أبي ضيعته، وعدني بالمدينة، فإذا بالمدينة تصبح ضيعتي في حيّ محيو. غريبٌ بقاء اللافتة الزرقاء للحيّ حيثما عُلِّقت وسُمّرت في جدارها منذ عقود. عمرها أزْيَد من أعمار مَن سكنوا رحابها أو عبروها. صمدت. صدّت حروبًا ودكّات ورعبات وهزّات أرضيّة وكوارث. أنقذتها الأعجوبة، مثلما أنقذتني مناعتي من الكوڤيد. مناعتي ليست جسدي. بل ذكرياتي. الصور مرهمُ جروحي. بعدما بلغت من الكِبَرِ عِتِيًّا، مرّنت نفسي على زيارة صور قديمة، مطويّة في مغلفات مصفرّة، بينها أوراق ورسائل ومنشورات، أعيدُ ترتيبها في الخزائن وتوزيعها في مغلفات جديدة نقلتها من أدراج مكتبي إلى رفوف غرفة نومي. أدمنت الأمر، جعلته رياضة منتظمة روّحت عن نفسي وقت الحاجة. قبل ثلاثة أعوام، ناهزت الثمانين وللمرة الثمانين، ربّما، أخرجت أسراري من أوكارها ورتّبتُها في نسق مختلف عن آخر مرّة. سحبتُ قصاصات صحافيّة من مغلف مهترئ وفرزت المطبوعات الأجنبيّة عن العربيّة، طالعني عدد خاص من مجلة نيوزويك وعلى غلافه صورة بنت الضناوي التقطها تيري أونيل في حديقة منزلهما غداة فوزها بأوسكار أفضل ممثلة.غدوة الأوسكار، بعدسة تيري أونيل.تحرّكت أنفاسي وتألمت، تأوهت وتنهدت. خفت أن تنال الآه من ضعف قلبي وعضلته. أصابني ما يصيب الطاعنين في السن من تكاثر الأمراض واستفحالها في وحدتهم. ما خفت من ضعف قلبي. خفت على مكوثها في قلبي. فكّرت أن الأنسب نقلها إلى العضو الأسلم في جسدي. من فحوصاتي الطبيّة الأخيرة، تأكدت أن كبدي في أسلم حال. عملًا بخرافات القائلين إن مركز الحب في الجسد هو الكبد وليس القلب، نقلت مكانها من قلبي. أصبحت قطعة من كبدي. ما تبقى من منزل الضناوي وعمارته (الصورة: محمد سويد)لن أتوقّف عن تفقُّد بيتها المهجور. صباح اليوم، قصدتُه. وأنا أصعد سلالم المبنى، تعثّرت. هويتُ حتى خبطت بالأرض وشعرتُ بكسر ما في جسمي، أقرب إلى كسر الخاطر لرجل من عمري. توجّعت. ربّما لن يعود في مقدوري الصعود إلى بيتها. مشيت بخطى بطيئة متثاقلة نحو بوّابة المبنى. لمحت بائعًا يسوق عربته وينادي، آكي يا دنيا. ويا دنيا، يا غرامي،ويا فايزة يا دنيايْ يا ضَنَايْ يا دنواي، سلامٌ عليكِ أينما كُنتِ، وسلامٌ عليّ يوم أموت ويوم أُبعثُ عاشقًا
11 minutes
A historical marker commemorating the storied dance club Warehouse 28 was unveiled two years ago this month. The Warehouse began as a gay disco but was an inclusive environment that served as a refuge and hangout for Nashville’s LGBTQ community starting in 1978 until its doors closed for good in 1995. It was also the […] The post Macon Kimbrough: Former Warehouse 28 Manager and LGBTQ Activist appeared first on Nashville Banner.
A historical marker commemorating the storied dance club Warehouse 28 was unveiled two years ago this month. The Warehouse began as a gay disco but was an inclusive environment that served as a refuge and hangout for Nashville’s LGBTQ community starting in 1978 until its doors closed for good in 1995. It was also the […] The post Macon Kimbrough: Former Warehouse 28 Manager and LGBTQ Activist appeared first on Nashville Banner.
11 minutes
An argument can be made that the Charter School Authorizer Board is usurping some authority of the constitutionally created Mississippi Board of Education.
11 minutes
An argument can be made that the Charter School Authorizer Board is usurping some authority of the constitutionally created Mississippi Board of Education.
14 minutes

Sipas të dhënave zyrtare të Komisionit Qendror të Zgjedhjeve të Kosovës deri në orën 11:00 kanë votuar 8.33 për qind të rreth 2 milionë e qytetarëve me të drejtë vote, që është përafërsisht njëjtë me daljen e shënuar në zgjedhjet e kaluara të dhjetorit, transmeton Euro News Albania. Qytetarët e Kosovës janë duke votuar në […]

Sipas të dhënave zyrtare të Komisionit Qendror të Zgjedhjeve të Kosovës deri në orën 11:00 kanë votuar 8.33 për qind të rreth 2 milionë e qytetarëve me të drejtë vote, që është përafërsisht njëjtë me daljen e shënuar në zgjedhjet e kaluara të dhjetorit, transmeton Euro News Albania. Qytetarët e Kosovës janë duke votuar në […]
16 minutes
Кітай абвясьціў аб пачатку спэцыяльнай марской апэрацыі каля ўсходняга ўзьбярэжжа Тайваня ў адказ на перамовы паміж Японіяй і Філіпінамі аб дэлімітацыі мора ў гэтым раёне. Пэкін разглядае гэта як замах на яго тэрытарыяльны сувэрэнітэт і марскія правы.
Кітай абвясьціў аб пачатку спэцыяльнай марской апэрацыі каля ўсходняга ўзьбярэжжа Тайваня ў адказ на перамовы паміж Японіяй і Філіпінамі аб дэлімітацыі мора ў гэтым раёне. Пэкін разглядае гэта як замах на яго тэрытарыяльны сувэрэнітэт і марскія правы.
17 minutes
Ներքին գործերի նախարարությունը ժամը 14:00-ի դրությամբ ստացել է 29 ահազանգ։ Ըստ հաղորդագրության, արձանագրվել է կրկնաքվեարկության՝ 6, քվեարկության գաղտնիության խախտման 5 դեպք, որոնցով կազմված փաստաթղթերը ներկայացվել են նախաքննական մարմին։ Ձերբակալվել է 6 անձ։ Ենթադրյալ իրավախախտումների վերաբերյալ ստացված 121 տեղեկությունները ստուգման փուլում են։ 1326 անձ դիմում է ներկայացրել ընտրողների լրացուցիչ ցուցակներում ընդգրկվելու մասին: Ընտրություններին մասնակցելու համար համայնքներում ժամանակավորապես...
Ներքին գործերի նախարարությունը ժամը 14:00-ի դրությամբ ստացել է 29 ահազանգ։ Ըստ հաղորդագրության, արձանագրվել է կրկնաքվեարկության՝ 6, քվեարկության գաղտնիության խախտման 5 դեպք, որոնցով կազմված փաստաթղթերը ներկայացվել են նախաքննական մարմին։ Ձերբակալվել է 6 անձ։ Ենթադրյալ իրավախախտումների վերաբերյալ ստացված 121 տեղեկությունները ստուգման փուլում են։ 1326 անձ դիմում է ներկայացրել ընտրողների լրացուցիչ ցուցակներում ընդգրկվելու մասին: Ընտրություններին մասնակցելու համար համայնքներում ժամանակավորապես...
21 minutes
در پی چند تیراندازی در مرکز اسرائیل، یک نفر کشته و پنج نفر زخمی شدند. به گفتۀ برخی منابع اسرائیلی «هر دو تروریست کشته شدهاند.»
در پی چند تیراندازی در مرکز اسرائیل، یک نفر کشته و پنج نفر زخمی شدند. به گفتۀ برخی منابع اسرائیلی «هر دو تروریست کشته شدهاند.»
22 minutes
Few realities compel deeper reflection than the trajectory of a nation that once fought so The post Opinion | From Liberation to Contradiction: Reflections on the State of South Sudan appeared first on Radio Tamazuj.
Few realities compel deeper reflection than the trajectory of a nation that once fought so The post Opinion | From Liberation to Contradiction: Reflections on the State of South Sudan appeared first on Radio Tamazuj.
23 minutes

New easement offers 16-mile rail bed access between Lyon Mountain and Dannemora

23 minutes
New easement offers 16-mile rail bed access between Lyon Mountain and Dannemora
23 minutes
Канал «Кримський вітер» повідомляє про сильну пожежу в районі нафтобази
Канал «Кримський вітер» повідомляє про сильну пожежу в районі нафтобази
24 minutes
ისრაელის სამხედრო ძალებმა 7 ივნისს განაცხადეს, რომ მათ ლიბანიდან ისრაელის ტერიტორიის მიმართულებით გაშვებული ორი ჭურვი გადაიტაცეს, მიუხედავად ამ კვირაში გამოცხადებული ცეცხლის შეწყვეტის ახალი შეთანხმებისა, რომელიც ისრაელსა და ჰეზბოლას შორის საომარი მოქმედებების დასრულებას ისახავს მიზნად. „იფთაჰისა და რამოტ ნაფტალის ნაფტალი რაიონებში ცოტა ხნის წინ განგაში იყო, როს შემდეგაც ლიბანიდან ისრაელის ტერიტორიაზე შეჭრილი ორი ჭურვი გაანეიტრალეს“, - იტყობინება ისრაელის არმია. 3 ივნისს , ისრაელმა და...
ისრაელის სამხედრო ძალებმა 7 ივნისს განაცხადეს, რომ მათ ლიბანიდან ისრაელის ტერიტორიის მიმართულებით გაშვებული ორი ჭურვი გადაიტაცეს, მიუხედავად ამ კვირაში გამოცხადებული ცეცხლის შეწყვეტის ახალი შეთანხმებისა, რომელიც ისრაელსა და ჰეზბოლას შორის საომარი მოქმედებების დასრულებას ისახავს მიზნად. „იფთაჰისა და რამოტ ნაფტალის ნაფტალი რაიონებში ცოტა ხნის წინ განგაში იყო, როს შემდეგაც ლიბანიდან ისრაელის ტერიტორიაზე შეჭრილი ორი ჭურვი გაანეიტრალეს“, - იტყობინება ისრაელის არმია. 3 ივნისს , ისრაელმა და...
24 minutes
នៅមួយរយៈចុងក្រោយនេះ គេសង្កេតឃើញមានករណីរឈ្លោះវាយប្រតាយប្រតប់គ្នារវាងក្រុមយុវវ័យ បង្ហោះផ្សាយនៅលើបណ្តាញសង្គម។ ជាក់ស្តែងនៅក្នុងវីដេអូមួយលើបណ្តាញសង្គមហ្វេសប៊ុក សិស្សស្រីមួយក្រុមនៃវិទ្យាល័យទួលទំពូងបានទៅព្រួតវាយសិស្សស្រីមា្នក់ នៅវិទ្យាល័យ ហ៊ុន សែន ប៊ុនរ៉ានី ផ្សារដើមថ្កូវ។ នៅក្នុងករណីនេះ ក្រសួងអប់រំបានចេញសេចក្តីណែនាំឲ្យក្រុមដែលបង្កការវាយតប់នោះកែខ្លួន និងត្រូវទទួលពិន័យរដ្ឋបាលមួយចំនួនទៀត។ អ្នកឃ្លាំមើលសង្គមនានា កត់សម្គាល់ឃើញថា ទោះក្រសួងអប់រំតែងតែចេញវិធានការអប់រំ និងរំឭកដាស់តឿនជាបន្តបន្ទាប់ តែបាតុភាពហិង្សារវាងសិស្សសាលានេះនៅតែបន្តកើតមានជាហូរហែ។ នៅក្នុងកាលៈទេសៈបច្ចុប្បន្ននេះ តើអ្វីទៅជាវិធានការសមស្របដែលរដ្ឋាភិបាល ឬអ្នកពាក់ព័ន្ធគួរធ្វើដើម្បីដោះស្រាយបាតុភាពហិង្សារបស់សិស្សនៅក្នុងសាលារៀន?
នៅមួយរយៈចុងក្រោយនេះ គេសង្កេតឃើញមានករណីរឈ្លោះវាយប្រតាយប្រតប់គ្នារវាងក្រុមយុវវ័យ បង្ហោះផ្សាយនៅលើបណ្តាញសង្គម។ ជាក់ស្តែងនៅក្នុងវីដេអូមួយលើបណ្តាញសង្គមហ្វេសប៊ុក សិស្សស្រីមួយក្រុមនៃវិទ្យាល័យទួលទំពូងបានទៅព្រួតវាយសិស្សស្រីមា្នក់ នៅវិទ្យាល័យ ហ៊ុន សែន ប៊ុនរ៉ានី ផ្សារដើមថ្កូវ។ នៅក្នុងករណីនេះ ក្រសួងអប់រំបានចេញសេចក្តីណែនាំឲ្យក្រុមដែលបង្កការវាយតប់នោះកែខ្លួន និងត្រូវទទួលពិន័យរដ្ឋបាលមួយចំនួនទៀត។ អ្នកឃ្លាំមើលសង្គមនានា កត់សម្គាល់ឃើញថា ទោះក្រសួងអប់រំតែងតែចេញវិធានការអប់រំ និងរំឭកដាស់តឿនជាបន្តបន្ទាប់ តែបាតុភាពហិង្សារវាងសិស្សសាលានេះនៅតែបន្តកើតមានជាហូរហែ។ នៅក្នុងកាលៈទេសៈបច្ចុប្បន្ននេះ តើអ្វីទៅជាវិធានការសមស្របដែលរដ្ឋាភិបាល ឬអ្នកពាក់ព័ន្ធគួរធ្វើដើម្បីដោះស្រាយបាតុភាពហិង្សារបស់សិស្សនៅក្នុងសាលារៀន?
27 minutes

Bashkimi Demokratik për Integrim sot publikoi dokumente nga Agjencia e Kadastrës të cilët, siç pohon, hapin dyshime serioze për marrëdhëniet pronësore dhe biznesore midis ish-kryetarit të Komunës së Çairit, Visar Ganiu dhe drejtorit aktual të NOMAGAS-it, Nedim Rama, të cilin partia opozitare e akuzon se ka përfituar kapital të konsiderueshëm pronësor dhe financiar derisa ka […]

Bashkimi Demokratik për Integrim sot publikoi dokumente nga Agjencia e Kadastrës të cilët, siç pohon, hapin dyshime serioze për marrëdhëniet pronësore dhe biznesore midis ish-kryetarit të Komunës së Çairit, Visar Ganiu dhe drejtorit aktual të NOMAGAS-it, Nedim Rama, të cilin partia opozitare e akuzon se ka përfituar kapital të konsiderueshëm pronësor dhe financiar derisa ka […]
27 minutes
នៅរដ្ឋធានីអេរ៉េវ៉ាន ការបោះឆ្នោតសភាដ៏សំខាន់សម្រាប់អនាគតរបស់អាមេនី បានប្រព្រឹត្ត ទៅនៅថ្ងៃអាទិត្យ ទី០៧ មិថុនា។ ការបោះឆ្នោតនេះធ្វើឡើង ក្រោមសម្ពាធពីរុស្សី ដែលចង់រក្សាអាមេនីឲ្យស្ថិតនៅក្រោមឥទ្ធិពលរបស់ខ្លួន ខណៈនាយករដ្ឋមន្ត្រីអាមេនី លោក Nikol Pashinyan ចង់បោះជំហាន នាំអាមេនីឲ្យខិតចូលជិតសហរដ្ឋអាមេរិក និង សហភាពអឺរ៉ុប។ ប្រសិនបើនាយករដ្ឋមន្ត្រីរូបនេះឈ្នះឆ្នោត អាមេនីនឹងបន្តខិតជិតលោកខាងលិច តែបើចាញ់ឆ្នោត ប្រទេសនេះអាចត្រឡប់ទៅស្ថិតក្រោមឥទ្ធិពលរុស្ស៊ីវិញ។
នៅរដ្ឋធានីអេរ៉េវ៉ាន ការបោះឆ្នោតសភាដ៏សំខាន់សម្រាប់អនាគតរបស់អាមេនី បានប្រព្រឹត្ត ទៅនៅថ្ងៃអាទិត្យ ទី០៧ មិថុនា។ ការបោះឆ្នោតនេះធ្វើឡើង ក្រោមសម្ពាធពីរុស្សី ដែលចង់រក្សាអាមេនីឲ្យស្ថិតនៅក្រោមឥទ្ធិពលរបស់ខ្លួន ខណៈនាយករដ្ឋមន្ត្រីអាមេនី លោក Nikol Pashinyan ចង់បោះជំហាន នាំអាមេនីឲ្យខិតចូលជិតសហរដ្ឋអាមេរិក និង សហភាពអឺរ៉ុប។ ប្រសិនបើនាយករដ្ឋមន្ត្រីរូបនេះឈ្នះឆ្នោត អាមេនីនឹងបន្តខិតជិតលោកខាងលិច តែបើចាញ់ឆ្នោត ប្រទេសនេះអាចត្រឡប់ទៅស្ថិតក្រោមឥទ្ធិពលរុស្ស៊ីវិញ។
32 minutes
Hêzên Berevanîya Îsraîlê (IDF) îro Yekşemê ragihand ku wan fermandarekî rêxistina Hemasê li başûrê Kerta Xezayê jinav biriye. IDF’ê li ser paltforma X’ê got, “Seqir Ebû Kerîm, fermandarê şaneya Nuxbe ya Hemasê ku di komkujîya 7ê Cotmehê de di nav rêberên ketina nav herêma Kîsufîm de bû, hatiye jinav birin.” “Di dirêjiya şer de, Ebû Kerîm êrîş li dijî leşkerên IDF’ê pêk anîn, û di demên dawî de bi hewldana ji nû ve avakirina hêzên Hemasê û vehewandina enbareke çekan a mezin di mala xwe de,...
Hêzên Berevanîya Îsraîlê (IDF) îro Yekşemê ragihand ku wan fermandarekî rêxistina Hemasê li başûrê Kerta Xezayê jinav biriye. IDF’ê li ser paltforma X’ê got, “Seqir Ebû Kerîm, fermandarê şaneya Nuxbe ya Hemasê ku di komkujîya 7ê Cotmehê de di nav rêberên ketina nav herêma Kîsufîm de bû, hatiye jinav birin.” “Di dirêjiya şer de, Ebû Kerîm êrîş li dijî leşkerên IDF’ê pêk anîn, û di demên dawî de bi hewldana ji nû ve avakirina hêzên Hemasê û vehewandina enbareke çekan a mezin di mala xwe de,...
33 minutes
Субҳи якшанбеи 7-уми июн дар Арманистон овоздиҳӣ барои интихоби 101 вакили порлумон оғоз шуд. Ин маърака дар шароите баргузор мешавад, ки Ереван талош дорад бо Иттиҳоди Аврупо наздиктар шавад ва ин кор хашми Русияро барангехтааст.
Субҳи якшанбеи 7-уми июн дар Арманистон овоздиҳӣ барои интихоби 101 вакили порлумон оғоз шуд. Ин маърака дар шароите баргузор мешавад, ки Ереван талош дорад бо Иттиҳоди Аврупо наздиктар шавад ва ин кор хашми Русияро барангехтааст.
33 minutes

El exmagistrado cuestiona algunas decisiones recientes de la Sala Segunda del Tribunal Supremo, alerta sobre los riesgos del lawfare y reclama más controles institucionales para reforzar las garantías democráticas.

El exmagistrado cuestiona algunas decisiones recientes de la Sala Segunda del Tribunal Supremo, alerta sobre los riesgos del lawfare y reclama más controles institucionales para reforzar las garantías democráticas.
37 minutes
Mais de 1,2 milhão de fiéis lotaram as ruas do centro de Madri neste domingo (7) para a missa campal celebrada pelo Papa Leão XIV, durante a qual ele pediu uma renovação da fé católica na Espanha. O Rei Felipe VI e a Rainha Letizia juntaram-se à multidão de fiéis que agitavam bandeiras espanholas e do Vaticano na Praça de Cibeles, geralmente palco de comemorações dos torcedores do Real Madrid.
Mais de 1,2 milhão de fiéis lotaram as ruas do centro de Madri neste domingo (7) para a missa campal celebrada pelo Papa Leão XIV, durante a qual ele pediu uma renovação da fé católica na Espanha. O Rei Felipe VI e a Rainha Letizia juntaram-se à multidão de fiéis que agitavam bandeiras espanholas e do Vaticano na Praça de Cibeles, geralmente palco de comemorações dos torcedores do Real Madrid.
39 minutes
Днем в субботу 7 июня российская армия сбросила на поселок Балабино Запорожской области управляемые авиабомбы (КАБы). Удары пришлись рядом с остановкой общественного транспорта. Находившиеся на ней три человека погибли, еще трое получили ранения. Также были повреждены частные дома. Глава Запорожской областной военной администрации Иван Федоров опубликовал фотографии последствий ударов. Ранее Федоров сообщил об ударах по Запорожью. "В результате атаки был поврежден частный дом. За...
Днем в субботу 7 июня российская армия сбросила на поселок Балабино Запорожской области управляемые авиабомбы (КАБы). Удары пришлись рядом с остановкой общественного транспорта. Находившиеся на ней три человека погибли, еще трое получили ранения. Также были повреждены частные дома. Глава Запорожской областной военной администрации Иван Федоров опубликовал фотографии последствий ударов. Ранее Федоров сообщил об ударах по Запорожью. "В результате атаки был поврежден частный дом. За...