16 minutes
في ذلك اليوم قبل عامين من الآن قبل عامين من اليوم، في 29 كانون الثاني 2024، وقعت جريمة قتل الطفلة الغزاوية هند رجب حمادة (6 سنوات) برصاص الجيش الإسرائيلي في حي باب الهوى في مدينة غزة بعد أن بقيت عالقة لمدة ثلاث ساعات في السيارة تنتظر عبثاً وصول الإغاثة. كانت مصابة وتنزف وحيدة إلى جانب جثث عمها بشار حماده وزوجته وأطفالهما الثلاثة محمد (11 سنة) وليان (14 سنة) ورغد (13 سنة)، المكدسة جثثهم من حولها. في ذلك اليوم قبل عامين من الآن، قرّر مسؤولو مكتب الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله، والذين كانوا على تواصل مباشر عبر الهاتف مع الناجية الوحيدة في السيارة الطفلة هند رجب، أن ينشروا على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع من تسجيلات المحادثات الصوتية بين هند وموظفي الهلال الأحمر، في محاولة يائسة للضغط على الجانب الإسرائيلي للسماح بوصول سيارة الإسعاف التي لم تكن تبعد أكثر من 8 دقائق عن موقع سيارة أهل هند. كانت السيارة في شمال قطاع غزة، في منطقة أعلنها جيش الاحتلال الإسرائيلي منطقة عسكرية مغلقة وطالب سكانها بضرورة المغادرة، وهو ما حاولت أن تفعله بالضبط عائلة هند رجب قبل أن ينال منها على الطريق رصاص الجيش الاسرائيلي. في ذلك اليوم قبل عامين من الآن، وبعد ثلاث ساعات من الانتظار، أعطت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الضوء الأخضر لطاقم الهلال الأحمر المؤلّف من المسعفين يوسف زينو وأحمد مدهون بالتحرك على متن سيارة الإسعاف باتجاه موقع سيارة عائلة حمادة البعيدة عنهم بضعة كيلومترات، والتي لا يحتاج قطعها على متن سيارة الإسعاف أكثر من 8 دقائق. في ذلك اليوم قبل عامين وثلاث ساعات وثماني دقائق، استهدفت دبابة إسرائيلية سيارة إسعاف الهلال الأحمر الفلسطيني بقذيفة قاتلة مضادة للدروع بعد وصولها الى التقاطع حيث تتواجد سيارة أهل هند رجب حمادة. وانقطع التواصل فجأة بين مكتب الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله وطاقم سيارة الإسعاف في حي باب الهوى في غزة. في ذلك اليوم قبل عامين واثنَي عشر يوماً وثلاث ساعات وثماني دقائق، سمحت السلطات العسكرية الإسرائيلية أخيرا لطواقم الإسعاف بالدخول الى المنطقة العسكرية المحاصرة منذ أسبوعين. تمّ انتشال جثامين هند رجب حمادة وأفراد عائلتها الخمسة من سيارتهم التي أصيبت بـ350 رصاصة، وتم انتشال ما تبقى من أشلاء المسعفين يوسف زينو وأحمد مدهون من ركام سيارة الإسعاف المحترقة. على مدى هذين العامين المنصرمين، تابعتُ قصة هند رجب وقرأت الكثير عن التحقيقات بشأن مقتلها، بدءاً من تحقيق جريدة الواشنطن بوست الموسع وتحقيق المنظمة الأورو متوسطية لمراقبة حقوق الإنسان، الذي أثبت بالدليل القاطع، بدعم من صور الأقمار الصناعية ومن معاينة موقع الجريمة، تواجد ثلاث دبابات إسرائيلية على بعد 300 متر من سيارة أهل هند عند وقوع الجريمة، وأن الذخائر التي أصابت سيارتهم وسيارة الإسعاف هي ذاتها التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي. وكان لافتاً تشكيل مؤسسة دولية باسم هند رجب، مهمتها ملاحقة الجنود الإسرائيليين المتورطين بجرائم حرب وتقديمهم للعدالة. كذلك تابعتُ التفاعل مع هذه القضية خلال حراك جامعات الولايات المتحدة الأميركية، حيث حاول طلاب جامعة كولومبيا في نيويورك وجامعة بيركلي في كاليفورنيا إطلاق اسم هند رجب على بعض الأبنية في جامعتهم، كما حاولوا في الذكرى السنوية الأولى لمقتلها تنظيم اعتصام سلمي في واحدة من حدائق نيويورك، قبل أن تهاجمهم وتعتدي عليهم جماعات يمينية مؤيدة لإسرائيل مطالبةً شرطة الحدود بترحيل الطلبة الأجانب منهم. يافطة تعيد تسمية «قاعة هاملتون» في جامعة كولومبيا إلى «قاعة هند» خلال المخيم الداعم لغزة. ماذا يمكن للسينما أن تفعل بعد غزّة؟ خلال كل هذه المدة، لم أتجرأ ولو لمرة واحدة على الاستماع لتسجيلات صوت هند التي انتشرت بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. كان يكفيني لكي أستوعب حجم الجريمة الإسرائيلية ولامبالاة العالم «المتحضر» وتراجيدية الوضع، أن أقرأ تفريغ العديد من المحادثات بين موظفي مكتب الهلال الأحمر والطفلة هند التي لم تتوقف عن طلب النجدة والاستغاثة بهم عبثاً على مدى ثلاث ساعات. ربّما أردتُ أن أجنّب نفسي المزيد من الغضب والمرارة أمام الشحن الدرامي الذي يمكن أن تتضمّنه هذه التسجيلات لصوت هند في لحظاتها الأخيرة وهي تواجه الموت وحيدة إلا من جثث أقربائها، وحيدة إلا من عجز العالم «المتحضر» أمام حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة. ربما كانت ظلال المَقتلة السورية، التي اختبرتها عن قرب بحكم انتمائي إلى هذا البلد وعملي في صناعة الأفلام الوثائقية، هي التي دفعتني إلى تجنب ما أسماه البعض بضرورة «التحديق بالفظيع»، لكي أعطي لنفسي الفسحة اللازمة لفهم وتحليل وإدراك حجم العنف وتمثلاته التي باتت تغرقنا بها وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام واسعة الانتشار. لكنّ سؤال السينما بعد غزة بقي حاضراً في ذهني منذ بداية حرب الإبادة في غزة، فماذا يمكن للفن بشكل عام وللسينما بشكل خاص أن يفعلا أمام هول وبشاعة صور وفيديوهات القتل والتدمير والتهجير التي لم تنفك تصلنا من دون انقطاع ومن خلال البث المباشر من قطاع غزة؟ كيف يمكن مقاربة حكايات الفلسطينيين ومعاناتهم وصمودهم سينمائياً، وقد بات الموت والتهجير ونزع الإنسانية كفاف خبزهم اليومي. وماذا يمكن للسينما أن تفعل والمخرجون كما المصورون الأجانب ممنوعون من دخول قطاع غزة، والمخرجون كما الصحافيون كما المصورون الفلسطينيون المتواجدون في الداخل باتوا هم أنفسهم مستهدفين يومياً من آلة القتل الإسرائيلية. الجواب الأولي من وجهة نظري كان واضحاً وجلياً، وهو أنه من المبكر- إذا لم يكن من المستحيل- أن تستطيع السينما، بشقّيها الروائي والوثائقي، فعل شيء في مثل هذه الأوضاع القيامية. وأننا بحاجة أولاً وأساساً إلى التوثيق المباشر وإلى الكثير من الحذر والتفكير والتأني في أخلاقيات المهنة قبل المغامرة بصناعة أفلام تتناول ما جرى ويجري في قطاع غزة، من دون الوقوع في النضالية المباشرة واستجرار العواطف وصولاً إلى الابتذال والمتاجرة السهلة بالقضايا العادلة. جواب كوثر بن هنية الملصق الرسمي لفيلم «صوت هند رجب» (2025) للمخرجة كوثر بن هنية. هذه الأسئلة المشكِّكة والتساؤلات الأخلاقية حملتُها معي عندما قرّرتُ الذهاب إلى صالة متروبوليس في بيروت لمشاهدة فيلم «صوت هند رجب»، الذي أخرجته التونسية كوثر بن هنية وحصلت من خلاله على جائزة الأسد الفضي في مهرجان فينيسيا ونالت من خلاله مؤخرًا الترشيح الى القائمة القصيرة على جوائز الأوسكار عن أفضل فيلم روائي أجنبي. بعد شهور من التردّد، استجبتُ لإلحاح صديقي المونتير الفرنسي السوري قتيبة برهمجي أن أذهب لمشاهدة الفيلم، والذي منتَجه إلى جانب كوثر بن هنية، كما سبق له أن منتج أيضاً فيلم كوثر بن هنية السابق «بنات ألفة» الذي نالت عليه العديد من الجوائز والترشيحات، ومنها السعفة الذهبية في مهرجان كان للعام 2023 وأفضل فيلم وثائقي أجنبي في القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار للعام 2024. إلحاح ورأي قتيبة كان مقنعًا بالنسبة إليَّ للتجرؤ وتجاوز مخاوفي من مشاهدة الفيلم. فقد سبق، بحكم عملي كمنتج، أن جمعتني مع قتيبة علاقة عمل مثمرة على فيلمين وثائقيين سوريين إشكاليين بخصوص العلاقة مع العنف المعمَّم وتمثلاته خلال الحروب. والفيلمان اللذان منتجهما قتيبة باقتدار كبير هما «لسه عم تسجل» عن حصار الغوطة و«فلسطين الصغرى» عن حصار مخيم اليرموك. مرّت تجربة المشاهدة بهدوء من دون انفعالات عاطفية مبالغ بها. لكن مفاجأتي كانت كبيرة في قدرة سينما كوثر بن هنية على اجتراح مقاربات فنية وجمالية وأخلاقية في غاية الإبداع لكل هذه التساؤلات التي سكنتني قبل الذهاب لمشاهدة فيلم «صوت هند رجب». إعلان فيلم «صوت هند رجب» (2025) للمخرجة كوثر بن هنية. صحيح أنني استطعت في الفيلم تلمّس العديد من عناصر المنظومة الأخلاقية المهنية التي حكمت مجال عملنا في الواقع السوري مع قتيبة برهمجي، لجهة احترام خصوصية الناس وحقهم في صور كريمة، والابتعاد عن الفرجة والتلصص على الموت واستعراض صور الجثث والاشلاء من دون رقيب أو حسيب، لكن سينما كوثر بن هنية ذهبت أبعد من ذلك إلى سؤال العلاقة الشائكة والملتبسة ليس فقط بين الفيلم الروائي والفيلم الوثائقي، ولكن في العلاقة الخلاقة والمتوترة بين فن السينما، بشقيه الوثائقي والروائي، وبين الواقع المعاش. تمّ تصوير الفيلم بأكمله داخليا مع كاميرات محمولة في مكاتب تم اختيارها في العاصمة التونسية كلوكايشن للاستعاضة عن مكاتب الهلال الأحمر في رام الله، مع جدرانه الزجاجية الفاصلة بين المكاتب وموظفي السنترال مع سماعاتهم والشاشات العملاقة التي تنقل مواقع سيارة إسعاف الهلال الأحمر على خريطة قطاع غزة على غوغل ماب. ورافق ذلك اختيار موفق لعدة ممثلين فلسطينيين محترفين، هم سجى كيلاني ومعتز ملحّيس وكلارا خوري وعامر حليحل، ليلعبوا على التوالي أمام صوت هند رجب الحقيقي على الهاتف أدوار المرشدين المحاورين لهند في الهلال الأحمر ومسؤولة الدعم النفسي ومدير مكتب الهلال الأحمر في رام الله. مكّنني فيلم كوثر بن هنية من الاستماع لأول مرة إلى صوت هند رجب الحقيقي من دون تجريده من شحنته العاطفية والإنسانية، ولكن من خلال وضعه في سياقه الإنساني والسياسي. فالمشاهد يستمع على مدى ساعة ونصف، وهي مدة الفيلم، إلى عدة كليبات صوتية لهند في المحادثات المتقطعة التي جمعتها مع موظفي مكتب الهلال الأحمر الفلسطيني الذين كانوا يحاولون مساعدتها وإرشادها للبقاء على قيد الحياة في انتظار الحصول على الضوء الأخضر من الجيش الإسرائيلي لكي تتحرك طواقمها الموجودة بالقرب من موقع سيارة عائلة حمادة لإنقاذ الطفلة هند. خلال مدة الفيلم كله، لا نستعرض على الشاشة أي مشاهد للدمار أو الجثث القادمة من غزة، ولا نرى ولا نسمع جندياً إسرائيلياً واحداً يتحرك أو يتكلم. كما لا نسمع أي خطاب نضالي عالي النبرة أو أي ادانة سياسية مباشرة. لكن، مع ذلك، وبسبب ذلك، يمثّل الفيلم مرافعة سياسية وأخلاقية وإنسانية وسينمائية في غاية الوضوح والتماسك والانحياز إلى الحق والعدالة. ضمن هذه المعادلة السينمائية الصعبة لقصة مقتل هند رجب بين التسجيلي والروائي، وبين صوت هند الحقيقي المستغيث وإعادة تمثيل مشاهد كوادر الهلال الأحمر التي تعاملت مع صوت هند ومع عجزها عن إنقاذ الطفلة الفلسطينية بسبب التعنت الإسرائيلي، وصولاً إلى الضوء الأخضر الإسرائيلي الذي سمح بتحرك سيارة الإسعاف وانتهى بقصفها على بعد أمتار من سيارة عائلة الطفلة الفلسطينية، يسمح لنا فيلم كوثر بن هنية بالتفكير ملياً في آلية عمل هذه المنظومة الجهنمية، العسكرية والبيروقراطية، التي وضعتها إسرائيل لجعل إبادة الفلسطينيين ممكنة وفاعلة على مرأى ومسمع من العالم أجمع الذي يقف، كحالنا نحن مشاهدي فيلم «صوت هند رجب»، موقف المتفرج أمام هول ومأساة مقتلة طفلة صغيرة بقيت تستغيث لساعات طويلة من دون جدوى، لتجسّد حال مئات آلاف الفلسطينيين في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية. سؤال السينما بين الوثائقي والروائي في حوار شهير جمع المخرج جان لوك غودار مع الكاتب الفلسطيني الياس صنبر، وفي جواب على سؤال حول الفرق بين الفيلم الوثائقي والخيالي، يعود غودار إلى مشهد من فيلمه «موسيقانا»، ليضع فيه بالتوازي صورة وصول المهاجرين اليهود على متن سفن إلى فلسطين وصورة الفلسطينيين وهم يلقَوْن بالبحر خلال النكبة في العام 1948، في حين نسمع صوت الفويس أوفر يقول: الإسرائيليون يعودون إلى الخيال. والفلسطينيون يقعون في الوثائقي. يحاول غودار أن يذكر أن ما قصده من هذه العبارة هو أن اليهود وصلوا في ذلك الزمن إلى أرض خيالهم وحلمهم، في حين أن الفلسطينيين كانوا يُجبَرون في ذلك الوقت على مغادرة أرضهم الحقيقية والمعاشة. ويعترض غودار كيف أن هذه العبارة أخرجت بعد ذلك من سياقها وكيف تحولت إلى كليشه في الانحياز بين الوثائقي والروائي، ويعود للتذكير بجملة شهيرة للمخرج الفرنسي جان روش الذي كتب مرة في مجلة «دفاتر السينما» الفرنسية: فيلم وثائقي عظيم جداً، لأنه فيلم خيالي عظيم جداً. ولا شك أنه مهما طغى الخيال على الفيلم الروائي، فإنه سيظل فيه شيء من الوثائقي لأنه في مكان ما سيظل يحيل إلى الواقع. كذلك الحال في الفيلم الوثائقي، ومهما طغى الواقع على السرد، فإنه في مكان ما سيظل يحيل إلى الروائي والمتخيل في القطع وتتالي المشاهد والزمن الفيلمي وبناء القوس السردي. من هنا، يمكننا أن نتفهم العديد من الأصوات الناقدة التي اعترضت من منطلق أخلاقي أو جمالي على استخدام كوثر بن هنية لصوت هند رجب الحقيقي ضمن سياق سردي تمثيلي يقوم على إعادة تصوير مشاهد درامية يتمّ فيها مقابلة صوت هند الحقيقي ضمن مشاهد تمثيلية يؤديها أمام الكاميرا ممثلون محترفون، ويتم من خلالها صناعة بنية الفيلم الدرامية. لكن، في المقابل، حرصت كوثر بن هنية ليس فقط على أخذ موافقة أهل هند وموظفي الهلال الأحمر على استخدام صوتهم في فيلمها، ولكنها في ذات الوقت احترمت السياق السردي والإنساني لقصة هند، ولم تعدل وتقطع فيها على هواها من أجل بناء السياق الدرامي الخاص للفيلم، بقدر ما حاولت في كل لحظة من لحظات الفيلم تذكيرنا بالسياق التوثيقي الواقعي لقصة هند رجب. قبل سنتين، ترشح فيلم كوثر بن هنية «بنات ألفة» الذي يجمع بين الوثائقي والروائي، إلى القائمة القصيرة لأفلام الأوسكار عن فئة الفيلم الوثائقي الأجنبي الطويل، وها هي المخرجة التونسية تعود اليوم مع فيلمها «صوت هند رجب» الذي يجمع بدوره بين الوثائقي والروائي لتترشح هذه المرة إلى القائمة القصيرة للأوسكار، ولكن عن فئة الأفلام الروائية الأجنبية الطويلة هذه المرة. لكن بمعزل عن هذه التسميات والأصناف السينمائية التي تتلاشى وتذوب أمام سينما متجددة تصنع وتؤسس وتمتلك أدواتها الخاصة ولغتها السينمائية الفريدة، مفسحة لنفسها مكاناً خاصاً في تلك المنطقة الرمادية والهشة بين الوثائقي والروائي، بين الواقع وتمثلاته، بين الحقيقة والتمثيل، بين الفعل والتعاطف، فإن السؤال الأزلي حول ماذا يمكن للفن أن يصنع ويقدم من معانٍ وأفكار أمام بشاعة هذا العالم الذي نعيشه، يبقى مفتوحاً. ويشرّف كوثر بن هنية أنها حاولت بصدق أمام هول استغاثة هند رجب أن تقدم إجابتها الخاصة على هذا السؤال.
في ذلك اليوم قبل عامين من الآن قبل عامين من اليوم، في 29 كانون الثاني 2024، وقعت جريمة قتل الطفلة الغزاوية هند رجب حمادة (6 سنوات) برصاص الجيش الإسرائيلي في حي باب الهوى في مدينة غزة بعد أن بقيت عالقة لمدة ثلاث ساعات في السيارة تنتظر عبثاً وصول الإغاثة. كانت مصابة وتنزف وحيدة إلى جانب جثث عمها بشار حماده وزوجته وأطفالهما الثلاثة محمد (11 سنة) وليان (14 سنة) ورغد (13 سنة)، المكدسة جثثهم من حولها. في ذلك اليوم قبل عامين من الآن، قرّر مسؤولو مكتب الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله، والذين كانوا على تواصل مباشر عبر الهاتف مع الناجية الوحيدة في السيارة الطفلة هند رجب، أن ينشروا على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع من تسجيلات المحادثات الصوتية بين هند وموظفي الهلال الأحمر، في محاولة يائسة للضغط على الجانب الإسرائيلي للسماح بوصول سيارة الإسعاف التي لم تكن تبعد أكثر من 8 دقائق عن موقع سيارة أهل هند. كانت السيارة في شمال قطاع غزة، في منطقة أعلنها جيش الاحتلال الإسرائيلي منطقة عسكرية مغلقة وطالب سكانها بضرورة المغادرة، وهو ما حاولت أن تفعله بالضبط عائلة هند رجب قبل أن ينال منها على الطريق رصاص الجيش الاسرائيلي. في ذلك اليوم قبل عامين من الآن، وبعد ثلاث ساعات من الانتظار، أعطت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الضوء الأخضر لطاقم الهلال الأحمر المؤلّف من المسعفين يوسف زينو وأحمد مدهون بالتحرك على متن سيارة الإسعاف باتجاه موقع سيارة عائلة حمادة البعيدة عنهم بضعة كيلومترات، والتي لا يحتاج قطعها على متن سيارة الإسعاف أكثر من 8 دقائق. في ذلك اليوم قبل عامين وثلاث ساعات وثماني دقائق، استهدفت دبابة إسرائيلية سيارة إسعاف الهلال الأحمر الفلسطيني بقذيفة قاتلة مضادة للدروع بعد وصولها الى التقاطع حيث تتواجد سيارة أهل هند رجب حمادة. وانقطع التواصل فجأة بين مكتب الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله وطاقم سيارة الإسعاف في حي باب الهوى في غزة. في ذلك اليوم قبل عامين واثنَي عشر يوماً وثلاث ساعات وثماني دقائق، سمحت السلطات العسكرية الإسرائيلية أخيرا لطواقم الإسعاف بالدخول الى المنطقة العسكرية المحاصرة منذ أسبوعين. تمّ انتشال جثامين هند رجب حمادة وأفراد عائلتها الخمسة من سيارتهم التي أصيبت بـ350 رصاصة، وتم انتشال ما تبقى من أشلاء المسعفين يوسف زينو وأحمد مدهون من ركام سيارة الإسعاف المحترقة. على مدى هذين العامين المنصرمين، تابعتُ قصة هند رجب وقرأت الكثير عن التحقيقات بشأن مقتلها، بدءاً من تحقيق جريدة الواشنطن بوست الموسع وتحقيق المنظمة الأورو متوسطية لمراقبة حقوق الإنسان، الذي أثبت بالدليل القاطع، بدعم من صور الأقمار الصناعية ومن معاينة موقع الجريمة، تواجد ثلاث دبابات إسرائيلية على بعد 300 متر من سيارة أهل هند عند وقوع الجريمة، وأن الذخائر التي أصابت سيارتهم وسيارة الإسعاف هي ذاتها التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي. وكان لافتاً تشكيل مؤسسة دولية باسم هند رجب، مهمتها ملاحقة الجنود الإسرائيليين المتورطين بجرائم حرب وتقديمهم للعدالة. كذلك تابعتُ التفاعل مع هذه القضية خلال حراك جامعات الولايات المتحدة الأميركية، حيث حاول طلاب جامعة كولومبيا في نيويورك وجامعة بيركلي في كاليفورنيا إطلاق اسم هند رجب على بعض الأبنية في جامعتهم، كما حاولوا في الذكرى السنوية الأولى لمقتلها تنظيم اعتصام سلمي في واحدة من حدائق نيويورك، قبل أن تهاجمهم وتعتدي عليهم جماعات يمينية مؤيدة لإسرائيل مطالبةً شرطة الحدود بترحيل الطلبة الأجانب منهم. يافطة تعيد تسمية «قاعة هاملتون» في جامعة كولومبيا إلى «قاعة هند» خلال المخيم الداعم لغزة. ماذا يمكن للسينما أن تفعل بعد غزّة؟ خلال كل هذه المدة، لم أتجرأ ولو لمرة واحدة على الاستماع لتسجيلات صوت هند التي انتشرت بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. كان يكفيني لكي أستوعب حجم الجريمة الإسرائيلية ولامبالاة العالم «المتحضر» وتراجيدية الوضع، أن أقرأ تفريغ العديد من المحادثات بين موظفي مكتب الهلال الأحمر والطفلة هند التي لم تتوقف عن طلب النجدة والاستغاثة بهم عبثاً على مدى ثلاث ساعات. ربّما أردتُ أن أجنّب نفسي المزيد من الغضب والمرارة أمام الشحن الدرامي الذي يمكن أن تتضمّنه هذه التسجيلات لصوت هند في لحظاتها الأخيرة وهي تواجه الموت وحيدة إلا من جثث أقربائها، وحيدة إلا من عجز العالم «المتحضر» أمام حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة. ربما كانت ظلال المَقتلة السورية، التي اختبرتها عن قرب بحكم انتمائي إلى هذا البلد وعملي في صناعة الأفلام الوثائقية، هي التي دفعتني إلى تجنب ما أسماه البعض بضرورة «التحديق بالفظيع»، لكي أعطي لنفسي الفسحة اللازمة لفهم وتحليل وإدراك حجم العنف وتمثلاته التي باتت تغرقنا بها وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام واسعة الانتشار. لكنّ سؤال السينما بعد غزة بقي حاضراً في ذهني منذ بداية حرب الإبادة في غزة، فماذا يمكن للفن بشكل عام وللسينما بشكل خاص أن يفعلا أمام هول وبشاعة صور وفيديوهات القتل والتدمير والتهجير التي لم تنفك تصلنا من دون انقطاع ومن خلال البث المباشر من قطاع غزة؟ كيف يمكن مقاربة حكايات الفلسطينيين ومعاناتهم وصمودهم سينمائياً، وقد بات الموت والتهجير ونزع الإنسانية كفاف خبزهم اليومي. وماذا يمكن للسينما أن تفعل والمخرجون كما المصورون الأجانب ممنوعون من دخول قطاع غزة، والمخرجون كما الصحافيون كما المصورون الفلسطينيون المتواجدون في الداخل باتوا هم أنفسهم مستهدفين يومياً من آلة القتل الإسرائيلية. الجواب الأولي من وجهة نظري كان واضحاً وجلياً، وهو أنه من المبكر- إذا لم يكن من المستحيل- أن تستطيع السينما، بشقّيها الروائي والوثائقي، فعل شيء في مثل هذه الأوضاع القيامية. وأننا بحاجة أولاً وأساساً إلى التوثيق المباشر وإلى الكثير من الحذر والتفكير والتأني في أخلاقيات المهنة قبل المغامرة بصناعة أفلام تتناول ما جرى ويجري في قطاع غزة، من دون الوقوع في النضالية المباشرة واستجرار العواطف وصولاً إلى الابتذال والمتاجرة السهلة بالقضايا العادلة. جواب كوثر بن هنية الملصق الرسمي لفيلم «صوت هند رجب» (2025) للمخرجة كوثر بن هنية. هذه الأسئلة المشكِّكة والتساؤلات الأخلاقية حملتُها معي عندما قرّرتُ الذهاب إلى صالة متروبوليس في بيروت لمشاهدة فيلم «صوت هند رجب»، الذي أخرجته التونسية كوثر بن هنية وحصلت من خلاله على جائزة الأسد الفضي في مهرجان فينيسيا ونالت من خلاله مؤخرًا الترشيح الى القائمة القصيرة على جوائز الأوسكار عن أفضل فيلم روائي أجنبي. بعد شهور من التردّد، استجبتُ لإلحاح صديقي المونتير الفرنسي السوري قتيبة برهمجي أن أذهب لمشاهدة الفيلم، والذي منتَجه إلى جانب كوثر بن هنية، كما سبق له أن منتج أيضاً فيلم كوثر بن هنية السابق «بنات ألفة» الذي نالت عليه العديد من الجوائز والترشيحات، ومنها السعفة الذهبية في مهرجان كان للعام 2023 وأفضل فيلم وثائقي أجنبي في القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار للعام 2024. إلحاح ورأي قتيبة كان مقنعًا بالنسبة إليَّ للتجرؤ وتجاوز مخاوفي من مشاهدة الفيلم. فقد سبق، بحكم عملي كمنتج، أن جمعتني مع قتيبة علاقة عمل مثمرة على فيلمين وثائقيين سوريين إشكاليين بخصوص العلاقة مع العنف المعمَّم وتمثلاته خلال الحروب. والفيلمان اللذان منتجهما قتيبة باقتدار كبير هما «لسه عم تسجل» عن حصار الغوطة و«فلسطين الصغرى» عن حصار مخيم اليرموك. مرّت تجربة المشاهدة بهدوء من دون انفعالات عاطفية مبالغ بها. لكن مفاجأتي كانت كبيرة في قدرة سينما كوثر بن هنية على اجتراح مقاربات فنية وجمالية وأخلاقية في غاية الإبداع لكل هذه التساؤلات التي سكنتني قبل الذهاب لمشاهدة فيلم «صوت هند رجب». إعلان فيلم «صوت هند رجب» (2025) للمخرجة كوثر بن هنية. صحيح أنني استطعت في الفيلم تلمّس العديد من عناصر المنظومة الأخلاقية المهنية التي حكمت مجال عملنا في الواقع السوري مع قتيبة برهمجي، لجهة احترام خصوصية الناس وحقهم في صور كريمة، والابتعاد عن الفرجة والتلصص على الموت واستعراض صور الجثث والاشلاء من دون رقيب أو حسيب، لكن سينما كوثر بن هنية ذهبت أبعد من ذلك إلى سؤال العلاقة الشائكة والملتبسة ليس فقط بين الفيلم الروائي والفيلم الوثائقي، ولكن في العلاقة الخلاقة والمتوترة بين فن السينما، بشقيه الوثائقي والروائي، وبين الواقع المعاش. تمّ تصوير الفيلم بأكمله داخليا مع كاميرات محمولة في مكاتب تم اختيارها في العاصمة التونسية كلوكايشن للاستعاضة عن مكاتب الهلال الأحمر في رام الله، مع جدرانه الزجاجية الفاصلة بين المكاتب وموظفي السنترال مع سماعاتهم والشاشات العملاقة التي تنقل مواقع سيارة إسعاف الهلال الأحمر على خريطة قطاع غزة على غوغل ماب. ورافق ذلك اختيار موفق لعدة ممثلين فلسطينيين محترفين، هم سجى كيلاني ومعتز ملحّيس وكلارا خوري وعامر حليحل، ليلعبوا على التوالي أمام صوت هند رجب الحقيقي على الهاتف أدوار المرشدين المحاورين لهند في الهلال الأحمر ومسؤولة الدعم النفسي ومدير مكتب الهلال الأحمر في رام الله. مكّنني فيلم كوثر بن هنية من الاستماع لأول مرة إلى صوت هند رجب الحقيقي من دون تجريده من شحنته العاطفية والإنسانية، ولكن من خلال وضعه في سياقه الإنساني والسياسي. فالمشاهد يستمع على مدى ساعة ونصف، وهي مدة الفيلم، إلى عدة كليبات صوتية لهند في المحادثات المتقطعة التي جمعتها مع موظفي مكتب الهلال الأحمر الفلسطيني الذين كانوا يحاولون مساعدتها وإرشادها للبقاء على قيد الحياة في انتظار الحصول على الضوء الأخضر من الجيش الإسرائيلي لكي تتحرك طواقمها الموجودة بالقرب من موقع سيارة عائلة حمادة لإنقاذ الطفلة هند. خلال مدة الفيلم كله، لا نستعرض على الشاشة أي مشاهد للدمار أو الجثث القادمة من غزة، ولا نرى ولا نسمع جندياً إسرائيلياً واحداً يتحرك أو يتكلم. كما لا نسمع أي خطاب نضالي عالي النبرة أو أي ادانة سياسية مباشرة. لكن، مع ذلك، وبسبب ذلك، يمثّل الفيلم مرافعة سياسية وأخلاقية وإنسانية وسينمائية في غاية الوضوح والتماسك والانحياز إلى الحق والعدالة. ضمن هذه المعادلة السينمائية الصعبة لقصة مقتل هند رجب بين التسجيلي والروائي، وبين صوت هند الحقيقي المستغيث وإعادة تمثيل مشاهد كوادر الهلال الأحمر التي تعاملت مع صوت هند ومع عجزها عن إنقاذ الطفلة الفلسطينية بسبب التعنت الإسرائيلي، وصولاً إلى الضوء الأخضر الإسرائيلي الذي سمح بتحرك سيارة الإسعاف وانتهى بقصفها على بعد أمتار من سيارة عائلة الطفلة الفلسطينية، يسمح لنا فيلم كوثر بن هنية بالتفكير ملياً في آلية عمل هذه المنظومة الجهنمية، العسكرية والبيروقراطية، التي وضعتها إسرائيل لجعل إبادة الفلسطينيين ممكنة وفاعلة على مرأى ومسمع من العالم أجمع الذي يقف، كحالنا نحن مشاهدي فيلم «صوت هند رجب»، موقف المتفرج أمام هول ومأساة مقتلة طفلة صغيرة بقيت تستغيث لساعات طويلة من دون جدوى، لتجسّد حال مئات آلاف الفلسطينيين في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية. سؤال السينما بين الوثائقي والروائي في حوار شهير جمع المخرج جان لوك غودار مع الكاتب الفلسطيني الياس صنبر، وفي جواب على سؤال حول الفرق بين الفيلم الوثائقي والخيالي، يعود غودار إلى مشهد من فيلمه «موسيقانا»، ليضع فيه بالتوازي صورة وصول المهاجرين اليهود على متن سفن إلى فلسطين وصورة الفلسطينيين وهم يلقَوْن بالبحر خلال النكبة في العام 1948، في حين نسمع صوت الفويس أوفر يقول: الإسرائيليون يعودون إلى الخيال. والفلسطينيون يقعون في الوثائقي. يحاول غودار أن يذكر أن ما قصده من هذه العبارة هو أن اليهود وصلوا في ذلك الزمن إلى أرض خيالهم وحلمهم، في حين أن الفلسطينيين كانوا يُجبَرون في ذلك الوقت على مغادرة أرضهم الحقيقية والمعاشة. ويعترض غودار كيف أن هذه العبارة أخرجت بعد ذلك من سياقها وكيف تحولت إلى كليشه في الانحياز بين الوثائقي والروائي، ويعود للتذكير بجملة شهيرة للمخرج الفرنسي جان روش الذي كتب مرة في مجلة «دفاتر السينما» الفرنسية: فيلم وثائقي عظيم جداً، لأنه فيلم خيالي عظيم جداً. ولا شك أنه مهما طغى الخيال على الفيلم الروائي، فإنه سيظل فيه شيء من الوثائقي لأنه في مكان ما سيظل يحيل إلى الواقع. كذلك الحال في الفيلم الوثائقي، ومهما طغى الواقع على السرد، فإنه في مكان ما سيظل يحيل إلى الروائي والمتخيل في القطع وتتالي المشاهد والزمن الفيلمي وبناء القوس السردي. من هنا، يمكننا أن نتفهم العديد من الأصوات الناقدة التي اعترضت من منطلق أخلاقي أو جمالي على استخدام كوثر بن هنية لصوت هند رجب الحقيقي ضمن سياق سردي تمثيلي يقوم على إعادة تصوير مشاهد درامية يتمّ فيها مقابلة صوت هند الحقيقي ضمن مشاهد تمثيلية يؤديها أمام الكاميرا ممثلون محترفون، ويتم من خلالها صناعة بنية الفيلم الدرامية. لكن، في المقابل، حرصت كوثر بن هنية ليس فقط على أخذ موافقة أهل هند وموظفي الهلال الأحمر على استخدام صوتهم في فيلمها، ولكنها في ذات الوقت احترمت السياق السردي والإنساني لقصة هند، ولم تعدل وتقطع فيها على هواها من أجل بناء السياق الدرامي الخاص للفيلم، بقدر ما حاولت في كل لحظة من لحظات الفيلم تذكيرنا بالسياق التوثيقي الواقعي لقصة هند رجب. قبل سنتين، ترشح فيلم كوثر بن هنية «بنات ألفة» الذي يجمع بين الوثائقي والروائي، إلى القائمة القصيرة لأفلام الأوسكار عن فئة الفيلم الوثائقي الأجنبي الطويل، وها هي المخرجة التونسية تعود اليوم مع فيلمها «صوت هند رجب» الذي يجمع بدوره بين الوثائقي والروائي لتترشح هذه المرة إلى القائمة القصيرة للأوسكار، ولكن عن فئة الأفلام الروائية الأجنبية الطويلة هذه المرة. لكن بمعزل عن هذه التسميات والأصناف السينمائية التي تتلاشى وتذوب أمام سينما متجددة تصنع وتؤسس وتمتلك أدواتها الخاصة ولغتها السينمائية الفريدة، مفسحة لنفسها مكاناً خاصاً في تلك المنطقة الرمادية والهشة بين الوثائقي والروائي، بين الواقع وتمثلاته، بين الحقيقة والتمثيل، بين الفعل والتعاطف، فإن السؤال الأزلي حول ماذا يمكن للفن أن يصنع ويقدم من معانٍ وأفكار أمام بشاعة هذا العالم الذي نعيشه، يبقى مفتوحاً. ويشرّف كوثر بن هنية أنها حاولت بصدق أمام هول استغاثة هند رجب أن تقدم إجابتها الخاصة على هذا السؤال.
18 minutes

Some student loan borrowers could be facing a “devastating” tax problem, advocate says.

Some student loan borrowers could be facing a “devastating” tax problem, advocate says.
18 minutes
Des incendies ravagent plusieurs régions de l'hémisphère sud. Le Chili, l'Argentine ou l'Australie, de l'autre côté du Pacifique, sont concernés. À chaque fois, la chaleur exceptionnelle et la sécheresse intense ont créé des conditions propices aux départs de feu. En Argentine, l'état d'urgence incendie a été déclaré jeudi 29 janvier, tandis que dans la région de Melbourne, le souvenir de « l'été noir » d'il y a six ans est dans toutes les têtes.
Des incendies ravagent plusieurs régions de l'hémisphère sud. Le Chili, l'Argentine ou l'Australie, de l'autre côté du Pacifique, sont concernés. À chaque fois, la chaleur exceptionnelle et la sécheresse intense ont créé des conditions propices aux départs de feu. En Argentine, l'état d'urgence incendie a été déclaré jeudi 29 janvier, tandis que dans la région de Melbourne, le souvenir de « l'été noir » d'il y a six ans est dans toutes les têtes.
19 minutes
A medida que la IA transforma las redacciones, un nuevo estudio revela cómo las nuevas regulaciones sobre el tema podrían afectar al periodismo y a quienes lo ejercen. The post América Latina lidera la mención del periodismo en las leyes de IA appeared first on LatAm Journalism Review.
A medida que la IA transforma las redacciones, un nuevo estudio revela cómo las nuevas regulaciones sobre el tema podrían afectar al periodismo y a quienes lo ejercen. The post América Latina lidera la mención del periodismo en las leyes de IA appeared first on LatAm Journalism Review.
19 minutes
Heather Walmsley, one of the founding editors who helped us launch in 2017, is returning to the fold.
Heather Walmsley, one of the founding editors who helped us launch in 2017, is returning to the fold.
21 minutes
Очільниця уряду повідомила, що сили РФ завдали ударів по залізничній інфраструктурі станції Синельникове – є пошкодження, люди не постраждали
Очільниця уряду повідомила, що сили РФ завдали ударів по залізничній інфраструктурі станції Синельникове – є пошкодження, люди не постраждали
22 minutes
The post What if kids don’t want to leave the office? appeared first on Searchlight New Mexico. Gov. Michelle Lujan Grisham’s executive order on Jan. 19 mandated an end to the long-standing practice of housing foster youth in the New Mexico Children, Youth and Families Department’s office buildings. But it also raised questions about the state’s bill of rights for children. The order presents significant challenges for foster care caseworkers, who have […] The post What if kids don’t want to leave the office? appeared first on Searchlight New Mexico.
The post What if kids don’t want to leave the office? appeared first on Searchlight New Mexico. Gov. Michelle Lujan Grisham’s executive order on Jan. 19 mandated an end to the long-standing practice of housing foster youth in the New Mexico Children, Youth and Families Department’s office buildings. But it also raised questions about the state’s bill of rights for children. The order presents significant challenges for foster care caseworkers, who have […] The post What if kids don’t want to leave the office? appeared first on Searchlight New Mexico.
22 minutes
A luta pela terra, a defesa da soberania e a disputa de hegemonia que tem como uma das armas a comunicação fazem parte da mesma batalha Há 42 anos, o MST segue disputando ideias e dando lições ao jornalismo apareceu primeiro no Brasil de Fato.
A luta pela terra, a defesa da soberania e a disputa de hegemonia que tem como uma das armas a comunicação fazem parte da mesma batalha Há 42 anos, o MST segue disputando ideias e dando lições ao jornalismo apareceu primeiro no Brasil de Fato.
22 minutes
Could it be that those who dropped out or never dropped in looked at the daunting array of potentially intractable issues they would face?
Could it be that those who dropped out or never dropped in looked at the daunting array of potentially intractable issues they would face?
24 minutes
As artificial transforms newsrooms, a new study reveals how emerging regulations on the topic could affect journalism and those who practice it. The post Latin America leads in mentions of journalism in AI laws appeared first on LatAm Journalism Review by the Knight Center.
As artificial transforms newsrooms, a new study reveals how emerging regulations on the topic could affect journalism and those who practice it. The post Latin America leads in mentions of journalism in AI laws appeared first on LatAm Journalism Review by the Knight Center.
25 minutes

At Iowa Central Community College, our purpose is simple and student-centered: we want students to finish their degrees or certifications in the shortest time possible, with the least amount of student loan debt, so they can have a better life. This purpose helps us fulfill our mission by meeting Iowans where they are and preparing […]

At Iowa Central Community College, our purpose is simple and student-centered: we want students to finish their degrees or certifications in the shortest time possible, with the least amount of student loan debt, so they can have a better life. This purpose helps us fulfill our mission by meeting Iowans where they are and preparing […]
26 minutes
近期,法语语言以淡化文字书写中暗含的性别歧视为目的的所谓 “包容性书写“(écriture inclusiv)又引发争议。先是法国行政法院12月31日宣布裁决,认为巴黎市政厅两块纪念匾牌的包容性书写文字并无违法。其后就有被看作是法语语言卫士的法兰西学院发表公报,重申反对这种新型法语书写方式。再后就有一些法国的或者外国的民间团体或个人对法兰西学院的反对立场表达不满……这些你来我往的争议背后是曾被看作是法国文化的精华的法语如今被许多法国之外的国家及人民视作共同语言的种种内在矛盾关系。
26 minutes
近期,法语语言以淡化文字书写中暗含的性别歧视为目的的所谓 “包容性书写“(écriture inclusiv)又引发争议。先是法国行政法院12月31日宣布裁决,认为巴黎市政厅两块纪念匾牌的包容性书写文字并无违法。其后就有被看作是法语语言卫士的法兰西学院发表公报,重申反对这种新型法语书写方式。再后就有一些法国的或者外国的民间团体或个人对法兰西学院的反对立场表达不满……这些你来我往的争议背后是曾被看作是法国文化的精华的法语如今被许多法国之外的国家及人民视作共同语言的种种内在矛盾关系。
27 minutes
WASHINGTON — The federal government hurtled Friday toward a partial shutdown this weekend, even though Senate Democrats and President Donald Trump reached a deal that allows lawmakers more time to negotiate new constraints on immigration enforcement. The Senate will not be able to pass the reworked government funding package before a midnight deadline unless all […]
WASHINGTON — The federal government hurtled Friday toward a partial shutdown this weekend, even though Senate Democrats and President Donald Trump reached a deal that allows lawmakers more time to negotiate new constraints on immigration enforcement. The Senate will not be able to pass the reworked government funding package before a midnight deadline unless all […]
27 minutes

Florida prosecutors have declined to pursue domestic battery charges against Carel Pedre, according to Broward County court records, lifting bond conditions and returning the cash bond posted in the case. The post Prosecutors decline to pursue domestic case against Carel Pedre appeared first on The Haitian Times.

Florida prosecutors have declined to pursue domestic battery charges against Carel Pedre, according to Broward County court records, lifting bond conditions and returning the cash bond posted in the case. The post Prosecutors decline to pursue domestic case against Carel Pedre appeared first on The Haitian Times.
28 minutes
პარლამენტში „ქართული ოცნების“ მიერ ინიციირებული ცვლილებებით, იურიდიული დახმარების სამსახური - სამსახური, რომელიც „სახაზინო ადვოკატებს“ აერთიანებს - უშუალოდ პრემიერ-მინისტრს დაექვემდებარება.
პარლამენტში „ქართული ოცნების“ მიერ ინიციირებული ცვლილებებით, იურიდიული დახმარების სამსახური - სამსახური, რომელიც „სახაზინო ადვოკატებს“ აერთიანებს - უშუალოდ პრემიერ-მინისტრს დაექვემდებარება.
28 minutes
WASHINGTON — The federal government hurtled Friday toward a partial shutdown this weekend, even though Senate Democrats and President Donald Trump reached a deal that allows lawmakers more time to negotiate new constraints on immigration enforcement. The Senate will not be able to pass the reworked government funding package before a midnight deadline unless all […]
WASHINGTON — The federal government hurtled Friday toward a partial shutdown this weekend, even though Senate Democrats and President Donald Trump reached a deal that allows lawmakers more time to negotiate new constraints on immigration enforcement. The Senate will not be able to pass the reworked government funding package before a midnight deadline unless all […]
30 minutes
Mayra Goulart afirmou que a devolução das investigações para a primeira instância seria 'quase uma declaração de culpa' Toffoli acerta ao manter investigações do caso Master no Supremo, avalia cientista política apareceu primeiro no Brasil de Fato.
30 minutes
Mayra Goulart afirmou que a devolução das investigações para a primeira instância seria 'quase uma declaração de culpa' Toffoli acerta ao manter investigações do caso Master no Supremo, avalia cientista política apareceu primeiro no Brasil de Fato.
34 minutes
Rəsmi rəqəmlərə görə, artıq 26 mindən çox Qarabağ ermənisi Ermənistan vətəndaşlığı alıb. Yerevanda siyasi şərhçi Ruben Mehrabyan düşünür ki, artıq onların Azərbaycan cəmiyyətinə inteqrasiyası hər iki tərəf üçün aktual deyil.
Rəsmi rəqəmlərə görə, artıq 26 mindən çox Qarabağ ermənisi Ermənistan vətəndaşlığı alıb. Yerevanda siyasi şərhçi Ruben Mehrabyan düşünür ki, artıq onların Azərbaycan cəmiyyətinə inteqrasiyası hər iki tərəf üçün aktual deyil.
34 minutes
Брюссель дав Братиславі один місяць, щоб відповісти на його запити, перш ніж вживати подальші заходи.
34 minutes
Брюссель дав Братиславі один місяць, щоб відповісти на його запити, перш ніж вживати подальші заходи.
36 minutes
El conflicto de Lustramax, como antes Lácteos Vidal o Fademi, confirma un modus operandi gravísimo e ilegal por parte de la empresa y la abogada Florencia Arietto como principal organizadora del Movimiento Empresarial Anti Bloqueos (MEAB). Acá te contamos sus conexiones con el Ministerio de Seguridad y Patricia Bullrich, su poder de lobby y su […]
El conflicto de Lustramax, como antes Lácteos Vidal o Fademi, confirma un modus operandi gravísimo e ilegal por parte de la empresa y la abogada Florencia Arietto como principal organizadora del Movimiento Empresarial Anti Bloqueos (MEAB). Acá te contamos sus conexiones con el Ministerio de Seguridad y Patricia Bullrich, su poder de lobby y su […]